المبحث الرابع
تاريخ نظام B.O.T
ليس دقيقا الظن بحداثة تمويل المشروعات وفق عقود البناء والتشغيل والإعادة، وإن كانت النزعة الجارفة إلى الخصخصة بعد سيادة الفكر الاشتراكي في كثير من أرجاء العالم، واضطلاع الدولة - في كافة النظم - بأعباء التنمية والتمويل، تشي بذلك، لأن الالتجاء إلى إقامة مشروعات البنية الأساسية بتمويل من القطاع الخاص عرف من قديم [1] .
ومهما اختلف في تاريخ هذا النظام فإن أحدا لا يجادل في أن نظام B.O.T قد نشأ مع الثورة الصناعية بالولايات المتحدة الأمريكية، ومنها انتقل إلى أوربا، خصوصا بريطانيا، حيث كان للمقاولين دور مهم في قيام كثير من مشروعات البنية التحتية، التي دعمت الازدهار الاقتصادي في ذلك الوقت. [2] .
كذلك لا جدال في أن عقود B.O.T تعد تطورا في نظام الامتياز [3] وهو كما عرفته المادة 868 من القانون المدني المصري"التزام المرافق العامة: عقد الغرض منه إدارة مرفق عام ذي صفة اقتصادية، ويكون هذا العقد بين جهة الإدارة المختصة بتنظيم هذا المرفق، وبين فرد أو شركة يعهد إليها باستغلال هذا المرفق فترة معينة من الزمن".
ولكن على أثر هيمنة النظام الاشتراكي، وزيادة تدخل الدولة في إدارة واستغلال المرافق العامة استغلالا مباشرا، حيث تم تأميم أكثر المشروعات التي كانت تدار بمعرفة القطاع الخاص، اضمحل نظام الامتياز حتى انحصر - في مصر مثلا - في استغلال بعض موارد الثروة الطبيعية، لاسيما المنتجات البترولية. [4] .
وفي منتصف السبعينات من القرن الماضي سادت تلك الدعوات الاقتصادية التي تنادي بتقليص دور الدولة في إنتاج السلع وأداء الخدمات، وتركها للقطاع الخاص، فهو الأقدر عليها، وسرعان ما استجابت بعض النظم، كبريطانيا التي استهلت في العام 1979 نظام الخصخصة، ومنها انتشر إلى كثير من دول العالم، الاشتراكية منها والرأسمالية، والمتقدمة منها والنامية، بل كانت الأخيرة أكثر استجابة له من غيرها.، وعندئذ تعاظم دور الامتياز من جديد، غير أن الامتياز وفقا لآليته الجديدة التي عرفت بنظام B.O.T كان أنجعها في إنشاء وإدارة واستغلال المرافق العامة، لخصائصه ومزاياه التي سنأتي على ذكرها بعد [5]
وأخيرا فإن غلبة التمويل بنظام B.O.T على المرافق العامة، لم يحل دون أن يكون للمشروعات الاقتصادية الخاصة نصيب، فبعض النوادي الخاصة، وكذا بعض شركات القطاع الخاص (المصرية) قد تعاقدت على إسناد بعض مشروعاتها إلى جهات خاصة أخرى لتنفذها وفق نظام B.O.T. [6] ويعد مركز عبد الله الأحمد الترفيهي، وهو ضمن مكونات مشروع القرية التراثية بدولة الكويت مثالا نموذجيا في ذلك.
(1) انظر: د. ماهر محمد حامد. سابق ص 47 وما بعدها.، وربما ردوا هذه المعاملة إلى الرومان بناء على عقد الأميفيتوز الذي سيأتي الكلام عنه.
(2) السابق ص 48.
(3) انظر: د. إبراهيم الشهاوي. عقد امتياز المرفق العام. سابق، ص 3.د. عمرو حسبو. التطور الحديث لعقود التزام المرافق العامة طبقا لنظام B.O.T. دراسة مقارنة ص 138.
(4) السابق ص 13 وما بعدها، 36 - 38.
(5) راجع: د. ماهر محمد حامد ص 49 وما بعدها، 55 - 59. وكما ذكر فإن مشروعات التمويل بهذا النظام فقاربت في حقبة التسعينات مبلغ الأربعمائة دينار.
(6) د. ماهر محمد حامد ص 66 وما بعدها.