الصفحة 4 من 42

بعد حمد الله تعالى، ثم الصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهذا بحث في {تطبيق عقد البناء والتشغيل والإعادة (B.O.T) في تعمير الأوقاف والمرافق العامة} أنجزته بناء على تشريف لشخصي من مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ليكون ضمن البحوث التي ستعرض بإذن الله تعالى على الدورة التاسعة عشرة لمؤتمر المجمع.

وبقدر سعادتي بهذا التشريف فإني لأرجو الله أن أكون قد خطوت ولو خطوة واحدة في طريق الكشف عن الحكم الشرعي في هذه المعاملة التي ذاع في الناس صيتها، لاسيما وقد صورتها بعض أدوات العولمة، الاقتصادية والقانونية على السواء [1] على أنها العصا السحرية التي ستأتي على مشكلات التنمية، والمخرج الذي سيكفي الدول والهيئات والوحدات مئونة نفقات مشروعات البنية الأساسية، والمرافق الخدمية والاقتصادية.

وهذا الأسلوب وإن كان - في نظر الداعين إليه - رافعا عبء التكلفة عن الخزائن العامة جملة فإنه بالنظر إلى الدول النامية، والآخذة في النمو، الطريقة المثلى والحل الناجع لما تعانيه اقتصاديات تلك الدول من صعوبات وعقبات.

ولكن تجارب بعض الدول التي اندفعت إلى الأخذ بهذا الأسلوب، دون تحوط كاف، قد آلت باقتصادياتها إلى عكس ما كان يؤمل من هذا النظام التمويلي، وتمخضت مشروعات B.O.T عبئا إضافيا على موارد هي مرهقة أصلا، ومرافق عاجزة عن الإشباع الأمثل للحاجات العامة.

والأمر من المنظور الفقهي الإسلامي يستوجب قبل تقييم B.O.T على أسس مادية نفعية الاستيثاق من استيفاء المعاملة الضوابط الإسلامية للاستثمار، لاسيما ضابطي: الحلال، ومراعاة المقاصد الشرعية في الأموال والأملاك.

(1) في استعراض عدد موفور من التقارير والدراسات المحفزة على الأخذ بأسلوب B.O.T والإيحاء بأنه العصا السحرية، وطوق النجاة الذي ينبغي أن تتعلق الدول النامية لإنشاء وتحديث البنية التحتية، والنهوض بالمرافق العامة، مع الإشارة إلى الأساليب التي تتبعها بيوت التمويل العالمية، وكذا الشركات المهيمنة على التجارة الدولية في سبيل تحقيق مصالحها، دون اعتبار لمصالح الدول النامية، خصوصا الدول المنتجة للنفط، ومن خلال الدور الذي يلعبه الفقه الغربي، وأحكام المحكمين في تكريس مصالح الشركات المهيمنة، في استعراض ذلك كله راجع مقدمة بحث الزميل الدكتور الروبي. محمد. عقود التشييد والاستغلال والتسليم B.O.T دراسة في إطار القانون الدولي الخاص. دار النهضة العربية 2004.وسيادته يشير إلى مجموعة كبيرة من الدراسات المتاحة على موقع الأمم المتحدة على الشبكة العالمية للإنترنت من خلال الرابط الإلكتروني: www.UNIDO.org/en/doc . ، ودراسة الزميل، وفقه الله، أكثر تركيزا في بحث هذا النظام في إطار القانون الدولي الخاص، ومن ثم فهي تتخذ من عقود التمويل ذات الطرف الأجنبي مجالا للتطبيق، بغرض الكشف عما تتضمنه وثائق عقود B.O.T من بنود وشروط قد لا تصب في صالح الدولة مانحة الامتياز، ولما كان تحديد القانون الواجب التطبيق على العقد ذي الطرف الأجنبي من المسائل المهمة في هذا الصدد، فإن الزميل العزيز قد رأى أن تجلية ما يمرر في هذه العقود - عادة - من غموض يجنب الدولة كثيرا من المشكلات كلما ثار نزاع حول العقد (ص 11) .

وقد خلص الزميل العزيز إلى أن لنظام B.O.T مزايا، ومثالب، وقد قدم لهذه الأخيرة بقوله (ص 316 وما بعدها) : لا ريب أن كثيرا من الدول، لاسيما دول العالم الثالث، والجهات الإدارية التابعة لها ليس لها خبرة في مجال عقود B.O.T في حين تتمتع الشركات الاستثمارية بخبرات هائلة، تفاوضية، وتعاقدية، وفنية، وتنفيذية، تمكنها من أن تجعل بنود وشروط تلك العقود لصالحها، دون أن يفطن لذلك كثير من الدول النامية المتعاقدة معها، ويدلل سيادته على ذلك بتجارب عدد من الدول، ومن بينها مصر، ويتهم الفقه الغربي بالإطناب في استعراض مزايا عقود B.O.T على الدول المطبقة لها، فيما يغض الطرف عن المثالب التي كشفت عنها التجارب الحية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت