أحدهما: أن يكون مستحقا على وجه البدل، كأرزاق الجند، وأثمان الكراع والسلاح فاستحقاقه غير معتبر بالوجود، وهو من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم، فإن كان موجودا عجل بدفعه، كالديون مع اليسار، وإن كان معدوما وجب فيه الإنظار، كالديون مع الإعسار.
الضرب الثاني: أن يكون مصرفه مستحقا على وجه المصلحة والإرفاق دون البدل، فاستحقاقه معتبر بالوجود دون العدم، فإن كان موجودا في بيت المال وجب فيه وسقط فرضه عن المسلمين، وإن كان معدوما سقط وجوبه عن بيت المال، وكان إن عم ضرره من فروض الكفاية على كافة المسلمين، حتى يقوم به منهم من فيه كفاية كالجهاد." [1] ."
المبحث الثاني
تنمية الأوقاف والمرافق العامة بالمعاملات المستجدة
أولا: المصلحة مناط التنمية:
في بحثه"استثمار أموال الوقف"يقول الدكتور عبد الله بن موسى العمار"لا بد أن تلامس مباحث استثمار الوقف واقعه وصيغ عقده، ومصارفه، وما عفا عليه الزمن من وسائل استثماره، أو وجد لظروف معينة، أو أصبح عديم الجدوى، ينبغي أن يضرب عنه صفحا، وأن يتجه إلى الوسائل النافعة، ذات الجدوى الاقتصادية الغالبة، فما الجدوى من استعراض عقد الإجارتين، أو عقود التحكير مما أصبح عائقا من عوائق استثمار كثير من الأوقاف، بل إنها أصبحت شبه معطلة بناء على هذه الوسائل". [2]
وهذا حق أدركه - في مسيرة الوقف الطويلة - ثلة من الفقهاء، فأغفلوا وسائل، واستحدثوا أخرى، وأجازوا من التصرفات ما كان سلفهم يفتون بمنعه، لما تبين لهم أن هذا أقرب إلى المصلحة، وأبعد عن المفسدة، بل في تاريخ الوقف أن من القائلين بعدم صحة تصرف ما من يحيل دعوى هذا التصرف إلى مجيزيه ليقضوا فيه، فيمتنع نقضه بعد أن حكم به حاكم [3] وهي حيلة لا نستسيغها لكنها تدل على الحرص على تجاوز العائق بأي طريق ممكن، على أن الإمام ابن عابدين قرر أن"يفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه، نظرا للوقف، وصيانة لحق الله، وإبقاء للخيرات" [4] .
ومما يؤكد على صحة قول ابن عابدين - يرحمه الله- أن القرآن الكريم لم يذكر شيئا من أحكام الوقف بخصوصه، وليس في السنة المشرفة تفصيلات لأحكامه، مع قلة تلك الأحاديث الثابتة في ذلك"ومن هنا كان منطقيا أن يقال: أكثر أحكام الوقف اجتهادية قياسية، للرأي فيها مجال" [5] .
وما قيل في الوقف يقال في المرافق العامة، فأكثر فقهها اجتهادي، وللسياسة الشرعية فيه مجال فسيح، ويوشك أن يكون إطارها قول الله تعالى {فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا} [6] 15 وقوله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} [7] وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" [8] وقد خطب عمر رضي الله عنه الناس فقال".... ألا إني"
(1) الأحكام السلطانية ص 279، وراجع بحثنا: ضمان عثرات الطريق في الفقه الإسلامي والقوانين الوضعية. نشر مكتبة النهضة المصرية 1422/ 2002 ص 85 - 93 وموضوعه تعبيد الطرق، وقد ناقشنا فيه المسألة باستفاضة.
(2) د. العمار. عبد الله بن موسى. استثمار أموال الوقف ضمن أعمال منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول. الكويت 1424/ 2003 الجزء الأول ص 201.
(3) في بحثه للدكتوراة والمعنون: أحكام عقد الحكر في الفقه الإسلامي مقارنا بما عليه العمل في المملكة العربية السعودية، والمقدم إلى كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة أم القرى 1427 - 1428 ذكر الدكتور الحويس. صالح بن سليمان أن مفتي الحنفية في الديار المصرية الشيخ عبد القادر الرافعي الفاروقي أورد أن إثبات (المرصد) لا يتم إلا بحكم قاض حنبلي يرى صحة إذن الناظر للمستأجر بالعمارة الضرورية، إذ لولا الترافع إلى القاضي الحنبلي لم يحل للناظر دفع المرصد، بناء على ما هو المعتمد في مذهب الحنفية، وأنه في أواخر الحكم العثماني في بلاد الشام اصطلح على إثبات المرصد لدى القاضي الحنبلي الذي يرى صحة ذلك، ثم ينفذ حكمه الحاكم الحنفي. انظر ص 61، والباحث يشير إلى شاكر الحنبلي في موجز أحكام الوقف ص 121، ويقول في الحاشية رقم (5) أن هذا ما تؤيده الوثائق التي اطلع عليها في المرصد.
(4) رد المحتار 4/ 386.
(5) د. الميمان. ناصر عبد الله. ديون الوقف. ضمن بحوث منتدى قضايا الوقف الفقهية. المجلد الأول ص 75.
(6) التغابن. من الآية 15.
(7) سورة هود. من الآية 88.
(8) الحديث: أخرجه الشيخان، ولفظ المتن من رواية البخاري عن أبي هريرة رقم 7288.