ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يؤخذ بحق، وأن يعطى في حق، وأن يمنع من باطل، ألا وإني في مالكم كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف" [1] وأية نظرة فاحصة في فقه المرافق العامة - بمعنييها المتقدمين، النشاط الإداري العام، والأعيان المنوط بها مصالح العامة - يدل على ذلك في وضوح."
فإن أخذنا الطريق مثلا وجدنا العلماء يتأولون قول النبي صلى الله عليه وسلم { .... والطريق المئتاء سبعة أذرع} [2] على أن السبعة لا تقصد بعينها، وإنما مراده التنبيه على التوسعة، لتسلكها الأحمال دخولا وخروجا، وتسع ما لا بد من طرحه عند الأبواب، لذا فإن الصحابة إذ مصروا البصرة جعلوا عرض شارعها الأعظم - وهو مربدها- ستين ذراعا، وعرض ما سواه عشرين، وجعلوا عرض كل زقاق سبعة أذرع" [3] ."
وفي إدارة الطريق اتفق العلماء على أن ما يدخل الضرر على العامة قطعا فالحاكم ممنوع منه، ونظره فيه نظر حافظ، ليس إلا، وما ليس كذلك فنظره فيه - على ثاني الوجهين - نظر مجتهد"كما يجتهد في أموال بيت المال، وإقطاع الموات". [4]
وعلى أساس من هذا الاجتهاد الموسع أفتى المعاصرون بمشروعية استثمار أموال الصدقات والزكوات [5] وقرر مجمع الفقه الإسلامي أنه"يجوز من حيث المبدأ توظيف أموال الزكاة في مشاريع استثمارية تنتهي بتمليك أصحاب الاستحقاق الزكاة، أو تكون تابعة للجهة الشرعية المسئولة عن جمع الزكاة وتوزيعها، على أن يكون بعد تلبية الحاجة الماسة الفورية للمستحقين، وتوافر الضمانات الكافية للبعد عن الخسائر" [6] وذلك كله على خلاف القول السائد أن بيت المال مجرد حرز لمال الزكاة، مراعاة لأن"الأصل في عمارة البلاد وتثميرها العدل والسياسة" [7]
وفي الجملة فإننا نقول مع الدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد"لا يصح في تصرف من التصرفات، أو حكم من الأحكام التي تسن لتحقيق مصلحة عامة أن يقال: إنه مناقض للشريعة، بناء على ما يُرَى فيه من مخالفة ظاهرية لدليل من الأدلة، بل يجب تفهم هذه الأدلة ... ، ... والتفرقة بين ما ورد على سبب خاص، وما هو من التشريع العام الذي لا يختلف ولا يتبدل، فإن مخالفة النوع الثاني هي الضارة المانعة من دخول أحكام السياسة في محيط شريعة الإسلام" [8] .
(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 235، وانظر في شرح قاعدة تصرفات الإمام منوطة بالمصلحة الأشبه والنظائر للسيوطي. عبد الرحمن بن أبي بكر. ط دار الفكر ص 134، وفي ذات المعنى ابن القيم. محمد بن أبي بكر. الطرق الحكمية في السياسة الشرعية بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ط دار الكتب العلمية 1983 ص 239.
(2) أخرجه البخاري في المظالم. باب إذا اختلفوا في الطريق المئتاء، ومسلم في المزارعة والمساقاة. باب قدر الطريق إذا اختلفوا فيه، وأبو داود في الأقضية. باب أبواب من القضاء، والترمذي في الأحكام. باب ما جاء في الطريق إذا اختلفوا فيه كم يجعل؟ وقال: حسن صحيح
(3) راجع بحثنا ضمان عثرات الطريق ص 73، 81 وأثر التمصير حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية - ط دار الفكر- ص 155
(4) انظر في التفصيلات ضمان عثرات الطريق ص 110 - 114.
(5) فتوى مجلس البحوث الإسلامية بجلسة 26 إبريل 2007 نقلا عن الزميل الدكتور الهيتي. عبد الستار إبراهيم. المباديء الأساسية للاقتصاد الإسلامي. نشر مكتبة المتنبي. الدمام 1429/ 2008 ص 327.
(6) في دورة المؤتمر الثالث المنعقد بعمان 1407/ 1986. مجلة المجمع ص 335 وما بعدها.
(7) من أقوال القاضي الخضر بن أبي بكر أحمد في رسالته إلى السلطان المعز. نقلا عن د. فؤاد عبد المنعم أحمد الآتي. ص 78.
(8) د. أحمد. فؤاد عبد المنعم. السياسة الشرعية وعلاقتها بالتنمية الاقتصادية وتطبيقاتها المعاصرة. من منشورات البنك الإسلامي للتنمية. مجموعة محاضرات العلماء البارزين. رقم 24 ص 12 وما بعدها من المقدمة، وسيادته يشير إلى الشيخ عبد الرحمن تاج. السياسة الشرعية ص 21.