صلى الله عليه وسلم-:"ما جاء بك يا أبا وهب؟"قال: قيل له: إنه لا دين لمن لم يهاجر، فقال -صلى الله عليه وسلم-:"ارجع أبا وهب إلى أباطح مكة، وأقروا على مساكنكم، فقد انقطعت الهجرة ولكن جهاد ونية" [1] .
نوقش هذا:
1 -أما الحديث الأول: فقد قال ابن قدامة"أراد بها لا هجرة بعد الفتح من بلد قد فتح" [2] ، وقال النووي:"معناه: لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضلها قبل الفتح، كما قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) [3] ، قال الماوردي: لأنها كانت قبل الفتح أشق منها بعده، فكان فضلها أكثر من فضلها بعده [4] ."
2 -وقوله لصفوان: إن الهجرة قد انقطعت، يعني من مكة، لأن الهجرة: الخروج من بلد الكفار، فإذا فتح لم يبق بلد الكفار، فلا تبقى منه هجرة، وإنما الهجرة إليه، لا منه.
وأخرج البخاري عن عطاء بن أبي رباح قال: زرت عائشة مع عبيد بن عمير الليثي، فسألناها عن الهجرة، فقالت:"لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- مخافة أن يفتن عليه، أما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية" [5] .
قال ابن حجر:"قوله (فسألها عن الهجرة) أي التي كانت قبل الفتح واجبة إلى المدينة، ثم نسخت بقوله:"لا هجرة بعد الفتح"، وقولها (لا هجرة اليوم) أي بعد الفتح، وقولها (كان المؤمنون .. ) أشارت عائشة رضي الله عنها إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة، والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه، وإلا وجبت، ومن ثم قال الماوردي: إذا قدر على إظهار الدين في بلد من بلاد الكفر"
(1) أخرجه سعيد بن منصور في سننه 2/ 137 كتاب الجهاد باب من قال: انقطعت الهجرة حديث (2352) .
(2) المغني لابن قدامة 10/ 514.
(3) سورة الحديد: 10.
(4) شرح مسلم للنووي 9/ 123، الحاوي الكبير للماوردي 14/ 105.
(5) البخاري (فتح 7/ 226) كتاب مناقب الأنصار حديث (3900) .