فقد صارت البلد به دار إسلام، فالإقامة فيها أفضل من الرحلة منها، لما يرتجي من دخول غيره في الإسلام.
وقال الخطابي: كانت الهجرة -أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم- في أول الإسلام مطلوبة، ثم افترضت لما هاجر إلى المدينة إلى حضرته؛ للقتال معه، وتعلم شرائع الدين، وقد أكد الله ذلك في عدة آيات، حتى قطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) [1] ، فلما فتحت مكة ودخل الناس في الإسلام من جميع القبائل سقطت الهجرة الواجبة وبقي الاستحباب [2] .
وقال البغوي في شرح السنة: يحتمل الجمع بينهما بطريق آخر بقوله:"لا هجرة بعد الفتح"أي من مكة إلى المدينة، وقوله:"لا تنقطع الهجرة"أي من دار الكفر في حق من أسلم إلى دار الإسلام، قال: ويحتمل وجهًا آخر، وهو أن قوله:"لا هجرة"أي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، حيث كان بنية عدم الرجوع إلى الوطن المهاجر منه إلا بإذن، وقوله:"لا تنقطع"أي هجرة من هاجر على غير هذا الوصف من الأعراب ونحوهم [3] .
قال ابن حجر:"قلت: الذي يظهر أن المراد بالشق الأول -وهو المنفي- ما ذكره في الاحتمال الأخير، وبالشق الآخر المثبت ما ذكره في الاحتمال الذي قبله، وقد أفصح ابن عمر بالمراد فيما أخرجه الإسماعيلي بلفظ:"انقطعت الهجرة بعد الفتح إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار -أي مادام في الدنيا دار كفر، فالهجرة واجبة منها على من أسلم وخشي أن يفتن عن دينه" [4] ."
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه: "وقد قال -صلى الله عليه وسلم-:"لا هجرة بعد الفتح"وقال:"لا تنقطع الهجرة"وكلاهما حق، فالأول أراد به الهجرة المعهودة في زمانه، وهي الهجرة إلى المدينة من مكة وغيرها من أرض العرب، فإن هذه الهجرة كانت مشروعة لما كانت مكة وغيرها دار كفر وحرب، وكان الإيمان بالمدينة، فكانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام واجبة على"
(1) سورة الأنفال: 72.
(2) فتح الباري لابن حجر 7/ 229.
(3) نيل الأوطار للشوكاني 8/ 30.
(4) فتح الباري 7/ 229.