فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 69

عليه الدعاء والقتال لعجزه عنه.

وذهبوا إلى أنه يستثنى من وجوب الهجرة من في إقامته مصلحة للمسلمين، فقد حكى ابن عبد البر وغيره أن إسلام العباس كان قبل بدر، وكان يكتمه، ويكتب إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأخبار المشركين، وكان المسلمون يثقون به، وكان يحب القدوم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكتب إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مقامك بمكة خير، ثم أظهر إسلامه يوم فتح مكة.

وبينوا أن محل استحباب الهجرة ما لم يرج ظهور الإسلام هناك بمقامه، فإن رجاه فالأفضل أن يقيم، ولو قدر على الامتناع بدار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها؛ لأن موضعه دار إسلام، فلو هاجر لصارت دار حرب، فيحرم ذلك، نعم إن رجي نصرة المسلمين بهجرته فالأفضل أن يهاجر.

وبناء على ما ترجح وهو استحباب الهجرة لا وجوبها، فإن دخول البلاد غير الإسلامية والإقامة بها جائز، لاسيما عند الحاجة إلى ذلك أو الاضطرار إليه، وهذا ما قرره إعلان القاهرة حول حقوق الإنسان الصادر عن منظمة المؤتمر الإسلامي عام 1990 م حيث نص في المادة الثانية عشرة على أن:"لكل إنسان الحق -في إطار الشريعة- في حرية التنقل، واختيار محل إقامته داخل بلاده أو خارجها، وله إذا اضطهد حق اللجوء إلى بلد آخر، وعلى البلد الذي لجأ إليه أن يجيره حتى يبلغ مأمنه، ما لم يكن سبب اللجوء اقتراف جريمة في نظر الشرع" [1] .

ويمكن أن يستدل لهذا الحكم بما يلي:

أولًا: حين رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- من الطائف دخل في جوار المطعم بن عدي وكان كافرًا [2] ، وقد حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- للمطعم هذا الجميل، فقال في أسارى بدر:"لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنة لتركتهم له" [3] أي لو كلمه في طلب فدائهم لتركهم له النبي -صلى الله عليه وسلم- بلا فداء؛ جزاء صنيعه قبل الهجرة.

(1) الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان في الإسلام، إصدار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية 2002 م.

(2) البداية والنهاية لابن كثير 2/ 135، فتح الباري 7/ 324.

(3) أخرجه البخاري (فتح 7/ 323) ، كتاب المغازي، حديث (4024) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت