نعم قال:"فاعمل من وراء البحار؛ فإن الله لن يَتِرَكَ من عملك شيئًا" [1] .
ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، حيث لو كانت الهجرة واجبة عليه لما صرفه النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها [2] .
2 -أخرج مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:"أغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله ..."إلى أن قال:"ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين" [3] .
قال النووي:"معنى هذا الحديث: أنهم إذا أسلموا استحب لهم أن يهاجروا إلى المدينة، فإن فعلوا ذلك كانوا كالمهاجرين قبلهم في استحقاق الفيء والغنيمة وغير ذلك، وإلا فهم أعراب، كسائر أعراب المسلمين الساكنين في البادية من غير هجرة ولا غزو" [4] .
وبهذا يتبين رجحان مذهب الجمهور؛ لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة، وقد ذهب الشافعية [5] إلى أن من يقدر على الامتناع والاعتزال ويقدر على الدعاء -أي الدعوة- والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم في دار الحرب؛ لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام، ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع من نصرته بجدال أو قتال.
ومن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم ولا يهاجر، لأن داره صارت باعتزاله دار إسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب، ولا يجب
(1) أخرجه البخاري (فتح 10/ 553) ، كتاب الأدب، حديث (6165) ، ومسلم، كتاب الإمارة حديث (1865) .
(2) أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب د. سالم الرافعي ص 61.
(3) أخرجه مسلم 3/ 1357 كتاب الجهاد والسير (1731) .
(4) شرح مسلم للنووي ص 1336.
(5) قال النووي (الروضة 3/ 120) :"المسلم إن كان ضعيفًا في دار الكفر لا يقدر على إظهار الدين حرم عليه الإقامة هناك، وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام، فإن لم يقدر على الهجرة فهو معذور إلى أن يقدر، فإن فتح البلد قبل أن يهاجر سقطت عنه الهجرة وإن كان يقدر على إظهار الدين؛ لكونه مطاعًا في قومه، أو لأن له هناك عشيرة يحمونه ولم يخف فتنة في دينه لم تجب الهجرة؛ لكن تستحب؛ لئلا يكثر سوادهم، أو يميل إليهم، أو يكيدوا له، وقيل: تجب الهجرة. حكاه الإمام والصحيح الأول."
قلت: قال صاحب الحاوي: فإن كان يرجو ظهور الإسلام هناك بمقامه فالأفضل أن يقيم. قال: وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال وجب عليه المقام بها، لأن موضعه دار إسلام، فلو هاجر لصار دار حرب، فيحرم ذلك. ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه، وإلا فلا والله أعلم""
قال الماوردي في الحاوي الكبير (14/ 104) :"الهجرة في زماننا تختص بمن أسلم في دار الحرب في الهجرة منها إلى دار إسلام، ولا تختص بدار الإمام، وحاله ينقسم فيها خمسة أقسام:"
أحدها: أن يقدر على الامتناع والاعتزاز ويقدر على الدعاء -أي الدعوة- والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم في دار الحرب، لأنها صارت بإسلامه واعتزاله دار الإسلام، ويجب عليه دعاء المشركين إلى الإسلام بما استطاع من نصرته بجدال أو قتال.
والقسم الثاني: أن يقدر على الامتناع والاعتزال ولا يقدر على الدعاء والقتال، فهذا يجب عليه أن يقيم، ولا يهاجر؛ لأن داره صارت باعتزاله دار إسلام، وإن هاجر عنها عادت دار حرب، ولا يجب عليه الدعاء والقتال؛ لعجزه عنه.
والقسم الثالث: أن يقدر على الامتناع ولا يقدر على الاعتزال ولا على الدعاء والقتال، فهذا لا يجب عليه المقام، لأنه لم تصر داره دار إسلام، ولا تجب عليه الهجرة، لأنه يقدر على الامتناع.
القسم الرابع: أن لا يقدر على الامتناع، ويقدر على الهجرة، فواجب عليه أن يهاجر وهو عاص إن أقام، وفي مثله قال -صلى الله عليه وسلم-"أنا بريء من كل مسلم مع مشرك".
القسم الخامس: أن لا يقدر على الامتناع ويضعف عن الهجرة، فتسقط عنه الهجرة لعجزه، ويجوز أن يدفع عن نفسه بإظهار الكفر، ويكون مسلمًا باعتقاد الإسلام والتزام أحكامه، ولا يجوز لمن قدر على الهجرة أن يتظاهر بالكفر؛ لأنه غير مضطر، والعاجز عن الهجرة مضطر، ويكون فرض الهجرة على من أمن فيها باقيا ما بقي للشرك دار.