الوجوب.
ولقوله -صلى الله عليه وسلم-:"أنا بريء من مسلم بين مشركين، لا تراءى ناراهما" [1] ومعناه: لا يكون بموضع يرى نارهم ويرون ناره إذا أوقدت، وقال الماوردي: ومعناه: لا يتفق رأيهما، فعبر عن الرأي بالنار، لأن الإنسان يستضيء بالرأي كما يستضيء بالنار [2] .
ولأن القيام بواجب دينه واجب على من يقدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب وتتمته، ومالا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه: وهو من يعجز عنها؛ إما لمرض، أو إكراه على الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا هجرة عليه؛ لقوله عز وجل: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا* فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا) [3] ، ولا توصف باستحباب؛ لأنه غير مقدور عليها.
قال ابن عباس:"كنت أنا وأمي من المستضعفين ممن عذر الله، هي من النساء وأنا من الولدان" [4] .
الثالث: من تستحب له ولا تجب عليه: وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة، وقد كان العباس عم النبي -صلى الله عليه وسلم- مقيما بمكة مع إسلامه.
ومما يستدل به لهذا المذهب:
1 -عن أبي سعيد الخدري أن أعرابيًا أتى النبي فسأله عن الهجرة فقال:"ويحك، إن الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل؟"قال: نعم، قال:"فتعطي صدقتها؟"قال: نعم، قال:"فهل تمنح منها؟"قال: نعم، قال:"فتحلبها يوم ورودها؟"قال:
(1) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث رقم (2645) ، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاه في كراهية المقام بين أظهر المشركين حديث رقم (1604) .
(2) الحاوي الكبير للماوردي 14/ 104.
(3) سورة النساء:99،98.
(4) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان حديث رقم (4597) .