فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 69

ويؤيده حديث:"لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية" [1] فكان المؤمنون يبقون في أوطانهم إلا المهاجرين يحرم عليهم الرجوع إلى مكة، وفي الحديث:"اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم" [2] قاله بعد أن فتحت مكة" [3] ."

2 -أما الأحاديث فتحمل على أحوال معينة، كما ذكر الطبري بإسناده عن قتادة في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) [4] ، قال:"كان الرجل ينزل بين المسلمين والمشركين فيقول: إن ظهر هؤلاء كنت معهم، وإن ظهر هؤلاء كنت معهم، فأبى الله عليهم ذلك، وأنزل الله في ذلك، فلا تراءى نار المسلم ونار المشرك إلا صاحب جزية مقرًا بالخراج" [5] .

ويمكن أن تحمل على من خشي على دينه وقدر على الهجرة ولم يهاجر كما قال ابن القيم:"ومنع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إقامة المسلم بين أظهر المشركين إذا قدر على الهجرة من بينهم [6] وقال:"أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين" [7] ."

وأما من يأمن على نفسه ودينه فيرخص له في الإقامة، كما قال البيهقي: باب الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن لا يخاف الفتنة [8] ، و ذكر مجموعة من الأحاديث التي سيرد ذكر بعضها في أدلة المذهب الثاني.

المذهب الثاني: التفصيل، وهو مذهب الحنفية [9] ، والشافعية [10] ، والحنابلة [11] ، قالوا: الناس في الهجرة علي ثلاثة أضرب:

الأول: من تجب عليه، وهو: من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار، فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَاوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا) [12] ، وهذا وعيد شديد، يدل على

(1) أخرجه البخاري (فتح 6/ 36) ، كتاب الجهاد، باب (وجوب النفير) ، حديث (2825) ، ومسلم 3/ 1487، كتاب الإمارة، باب (المبايعة بعد فتح مكة على الإسلام والجهاد والخير) ، حديث (1353) .

(2) أخرجه البخاري (فتح 3/ 164) ، كتاب الجنائز، باب رثاء النبي -صلى الله عليه وسلم- سعد بن خولة، حديث (1295) ، ومسلم 3/ 1251، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، حديث (1628) .

(3) تفسير التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 3/ 1178.

(4) الأنفال: 73.

(5) جامع البيان للطبري 10/ 55 (وقوله: فانزل الله في ذلك ... إلخ) من كلام قتادة.

(6) زاد المعاد لابن القيم 5/ 98.

(7) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل من اعتصم بالسجود، حديث رقم (2645) ، والترمذي في كتاب السير باب ما جاء في كراهية المقام بين أظهر المشركين حديث رقم (1604) .

(8) السنن للبيهقي 9/ 15، كتاب السير، باب الرخصة في الإقامة بدار الشرك لمن لا يخاف الفتنة.

(9) شرح السير الكبير للسرخسي 4/ 182، بدائع الصنائع للكاساني 7/ 131، فتح القدير للكمال بن الهمام 6/ 17، البناية للعيني 6/ 618، تبيين الحقائق للزيلعي 3/ 266.

(10) الحاوي الكبير للماوردي 14/ 104، نهاية المحتاج للرملي 8/ 82، مغني المحتاج للشربيني 4/ حاشية قليوبي 4/ 226.

(11) المغني لابن قدامة 10/ 513، المبدع لابن مفلح 3/ 313، الإنصاف للمرداوي 4/ 121، مطالب أولي النهى للرحيباني 2/ 510، معونة أولي النهى للفتوحي 3/ 602.

(12) سورة النساء:97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت