بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنه مما لا شك فيه أن الأمة الإسلامية - في عصرنا الحالي - تمر بأزمات كثيرة في مختلف المجالات، فهي تمر بأزمات فكرية، وأخرى اقتصادية، وثالثة سياسية، وغيرها الكثير والكثير، ومما لا شك فيه أن انحلال تلك الأزمات إنما يكون بالعودة إلى كتاب الله - تعالى - وإلى سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأعني بالعودة تلك العودة الصادقة التي يتجسد فيها الإسلام في جميع حياتنا، فنكون أمة ربانية حقا.
وإن من أهم الأزمات الفكرية التي تمر بها الأمة الإسلامية أزمة اختلاف أهلها، سواء أكان ذلك الاختلاف بين أهل الإسلام وغيرهم، أم بين أهل الإسلام بعضهم مع بعض، فإن الخلط بين ما يسوغ الاختلاف فيه وما لا يسوغ، أو بين التعامل مع هذا المخالف وذاك، أدى إلى بلبلة فكرية تحولت فيما بعد إلى مناهج عملية، وما الفكر التكفيري إلا إفراز من إفرازات ذلك الخلط الآثم.
إن عدم إدراك كثير من الناس (1) لفقه الخلاف والاختلاف أدى إلى نتائج وآثار سلبية، فهذا يعادي على ما يسوغ الاختلاف فيه، وذاك لا يبالي بالاختلاف فيما لا يسوغ الاختلاف فيه، وهذا يبدع ويكفر كل من خالف، وذاك يحب ويوالي كل مخالف ولو صدر منه الكفر البواح.
ومن أجل هذا وذاك، كان هذا البحث المتواضع في الاختلاف ضوابطه وآدابه، والذي أسأل الله - تعالى - أن يوفقني فيه للسداد والصواب.
وإن سبب اختياري لهذا الموضوع هو ما سبقت الإشارة إليه من موضوع الخلط بين أنواع الاختلاف وآدابه، إضافة إلى مسيس حاجة الأمة في هذا العصر إلى تجلية مباحث الاختلاف وتبيين أنواعه وأقسامه وآداب كل قسم، ليتبصر المسترشد، وليهتدي الضال.
(1) - وفي وقتنا الحاضر يمكن أن نقول كثير من طلبة العلم.