فانظر إلى ذلك الأدب الرفيع في الحوار والمناظرة بين سلفنا الصالح ، وقس ما نحن اليوم فيه بما كانوا هم عليه ، ولا شك أن المتأمل لمثل المناظرة التي جرت بين الشافعي ومحمد بن الحسن يدرك تمام الإدراك أن سلفنا الصالح كانوا على خلق عال ، وعلم واسع ، ولأجل ذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الرفعة والسؤدد ، فحري بنا أن نقتفي أثرهم ، وأن نلتزم سيرتهم ، وإلا فعلى أمة الإسلام السلام .
ومن المناظرات بين السلف ، ما جرى بين أبي يوسف (1) والإمام مالك (2) ، حيث قال أبو يوسف للإمام مالك: تؤذنون بالترجيع وليس عندكم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه حديث ؟
فقال مالك: يا سبحان الله !! ما رأيت أمرا أعجب من هذا ، ينادى على رؤوس الأشهاد في كل يوم خمس مرات يتوارثه الأبناء عن الآباء من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى زماننا هذا ، أيحتاج فيه إلى فلان عن فلان ؟!! هذا أصح عندنا من الحديث (3) . (4)
(1) - هو القاضي أبو يوسف ، واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري ، صاحب الإمام أبي حنيفة ، ولد سنة 113 هـ ، وهو فقيه عالم ، وقد قلد ه الرشيد القضاء ، وتوفي سنة 182 هـ ، انظر وفيات الأعيان ( 6 / 378 ، 388 )
(2) - هو مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي ، الإمام الفقيه ، والمحدث الحافظ ، إمام دار الهجرة ، وأحد الأئمة الأربعة ، من أشهر مصنفاته الموطأ ، توفي سنة 179 هـ وعمره 85 سنة ، انظر البداية والنهاية ( 10 / 174 ) ،
(3) - ورد الترجيع في حديث أبي محذورة - رضي الله عنه - عند مسلم ( كتاب الصلاة - باب صفة الأذان ، انظر شرح النووي 2 / 322 - 324 برقم 379 )
(4) - ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك ( ص 224 ) ، القاضي عياض ، تحقيق: أحمد بكير محمود ، دار مكتبة الحياة ، طرابلس ، ليبيا ، الطبعة بدون .