ومن أمثلة الخلاف الناشيء عن هوى: خلاف الخوارج (1) ، والذين ناظرهم ابن عباس - رضي الله عنهما - فيما ذهبوا إليه من الخروج على الحاكم المسلم، فرجع عدد كبير منهم - ممن أراد الحق وطلبه - عن قوله، فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال:"لما خرجت الحرورية اجتمعوا في دار وهم ستة آلاف، فأتيت عليا، فقلت: يا أمير المؤمنين أبرد بالظهر لعلي آتي هؤلاء القوم فأكلمهم."
قال: إني أخاف عليك.
قلت: كلا، قال ابن عباس: فخرجت إليهم، ولبست أحسن ما يكون من حلل اليمن، فأتيتهم وهم مجتمعون في دارهم، فسلمت عليهم.
قالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما هذه الحلة؟
قال: قلت ما تعيبون علي، لقد رأيت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن ما يكون من الحلل، ونزلت {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (2) .
قالوا: فما جاء بك؟
قلت: أتيتكم من عند صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - من المهاجرين والأنصار؛ لأبلغكم ما يقولون، فعليهم نزل القرآن، وهم أعلم بالوحي منكم، وفيهم أنزل، وليس فيكم منهم أحد.
فقال بعضهم: لا تخاصموا قريشا؛ فإن الله يقول: {بل هم قوم خصمون} (3) .
قال ابن عباس: وأتيت قوما لم أر قوما قط أشد اجتهادا منهم، فمضى من حضر.
فقال بعضهم: لنكلمنه ولننظرن ما يقول.
قلت: أخبروني ماذا نقمتم على ابن عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصهره والمهاجرين والأنصار؟
قالوا: ثلاثا.
قلت: ما هن؟
(1) - الخوارج: هم الذين خرجوا على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وادعوا عليه أشياء هو منها بريء، أو مصيب فيما ذهب إليه، واجتمعوا بحروراء فعرفوا بالحرورية، وهم الذين يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، انظر الملل والنحل (1/ 106، 107)
(2) - سورة الأعراف، الآية رقم 32
(3) - سورة الزخرف، الآية رقم 58