فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيرا كذبه، أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلا عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته (1) ، ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسانه طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء، سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعا، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر. (2)
(1) - أدب الخلاف للقرني (ص 35)
(2) - انظر تصنيف الناس بين الظن واليقين (ص 11) بتصرف يسير، بكر بن عبد الله أبو زبد، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، 1414 هـ، وبسبب الكبر وسوء الظن والتعالم انتشرت ظاهرة التصنيف، وكما يقول الشيخ بكر أبو زيد:"وأنت ترى الجراح القصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان!!"، انظر تصنيف الناس بين الظن واليقين (ص 22) ، ومن هنا زهد فئة من طلبة العلم في العلم والعلماء، وظنوا في أنفسهم أنهم قد بلغوا الصدارة، فتزببوا قبل أن يتحصرموا، وما أكثر ما يسمع الناس من فتاوى مشينة، لا يمكن أن تصدر من عالم، فإذا بحث الإنسان عنها وجد مصدرها شاب في مقتبل العمر، درس كتابا أو كتابين، ثم اشتغل بالتحذير من فلان وعلان، فصدَّره أعوانه وزبانيته مجالس العلم، فسئل فأفتى - حياء باردا وخجلا - بغير علم فضل وأضل، ومن هنا قلَّت هيبة العلماء والدعاة إلى الله في نفوس فئة غير قليلة من طلبة العلم، حتى إنه لا يكاد يذكر عالم إلا وقد جمعوا له زلاته، وتتبعوا له سقطاته، ثم نشروها بين الناس، ولسان حالهم: هذا من تمدحونه فيه كيت وكيت، أما نحن فـ ، فإلى الله المشتكى من هذا الحال، فكيف تحيا أمة يتكالب عليها عدوها، وقوادها متناحرون فيما بينهم!!!.