وهذا غير متوافر في تقدير يوم أو أكثر يترتب عليه زوال الرائحة [1] وقد استدل أبو حنيفة وأبو يوسف بما روى عن ابن مسعود انه حد في الشرب بوجود الرائحة فقد قال عندما أتى له بشارب خمر"مزمزوه وترتروه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فاجلدوه". وإن حد الشرب ثبت بالإجماع وليس بالنص ولا إجماع بدون ابن مسعود وقد كان الإجماع على الحد بالرائحة، ولذا فليس هناك إجماع على الحد عند زوال الرائحة، كما أن وجود الرائحة أقوى في الدلالة على الشرب وأن تمييز الخمر عن غيره ممكن لمن يعرفه ولكنه يشتبه على الجهال، ولما روى عن عمر بن الخطاب أنه أتى برجل شرب الخمر بعد ما ذهبت رائحتها واعترف به فعزره ولم يحده. وقد سبق أن رددنا حجج أبي حنيفة وأبي يوسف عند الحد عن تقادم الشهادة في المبحث الأول، ونوجز مجملها فإن شرب الخمر يحد له عند ابن مسعود بظهور الرائحة في حالة عدم وجود شهادة ولا إقرار فمتى وجدت الشهادة أو كان الإقرار فلا يشترط وجود رائحة الخمر أو عدم وجودها، وهذا ما يأخذ به الشافعية [2] والحنابلة [3] فهم لا يحكمون بالحد لظهور الرائحة أو السكر أو القيء لاحتمال الغلط أو الإكراه والحد بدرأ بالشبهة. أما المالكية [4] ورأى عند أحمد [5] فإنهم يقيمون حد الشرب بالرائحة.
وقد قال بعض العلماء: أن حديث ابن مسعود مؤول في أنه جاء في رجل مولع بالشرب مدمن. له فأجاز ابن مسعود الحد بالرائحة لهذا السبب، كما أن بعض أهل العلم أنكر الحديث [6] .
وعلى ذلك فإننا نخلص إلى تأييد رأي محمد بن الحسن وهو أن شرب الخمر يتقادم بنفس مدة الشهر التي هي مقررة لحد السرقة وحد الزنا، ولا يصح اعتبار تقادمه هو زوال الرائحة، وذلك لاحتمال الاضطرار أو الإكراه أو أنه تمضمض بها فما صارت في فمه علم أنها خمر فلفظها أو أنه ظنها مادة لا تسكر، أو أن الرائحة كانت من شراب التفاح أو الإكثار من أكله للتفاح أو أكله للسفرجل فلهما رائحة كرائحة الخمر، وهذه الاحتمالات كلها تورث شبهة والحد يدرأ بالشبهة لقول رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) :"ادرأوا الحدود بالشبهات"أما حديث عمر فإنه دليل على
(1) حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 196.
(2) أسني المطالب ج 4 ص 151، منهاج الطالبين ج 4 ص 159 منهاج الطالبين ج 4 ص 190.
(3) المغني ج 10 ص 332.
(4) تبصره الحكام ج 2 ص 87، 88.
(5) المغني ص 10 ص 332
(6) حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق صج 3 ص 196.