عدم إقامة الحد بالرائحة فالثابت من الحديث أن عمر عزر الرجل، ولو كان الحد يجب بالرائحة لإقامة عمر ولم يعطله.
بعد العرض السابق لمدد التقادم للشهادة في جرائم الحدود والتي أوضحنا فيها الخلاف بين فقهاء المذهب الحنفي في شأن حدود الزنا والسرقة والشر، فإنه يترجح لدينا عدم تحديد مدة التقادم وترك هذه المدة لولى الأمر يقدرها حسب ظروف الزمان والمكان والأحوال حسبما تتضح له مصلحة المجتمع الإسلامي والفائدة التي تعود عليه من جراء هذا التحديد، على إلا يحدد مدد طويلة وذلك لأنه كما كانت المدة أقصر كلما كان ذلك أبلغ في الزجر والردع وقطع دابر الرذيلة وتطهير المجتمع من الفاسد، هذا من جانب، ومن جانب آخر حتى لا يبقى المتهم تحت تهديد مستمر لفترة طويلة خوفا من إقدام الشهود على الشهادة عليه. وقد يقول قائل: إذا ما أراد الجاني النجاة من هذا التهديد وذلك الخوف فإن عليه أن يقر بذنبه، ولكن يرد على ذلك بأنه لا يجب أن تلزمه بضرورة الإقرار على نفسه، وذلك لأن المتهم هو الآخر مثله الشهود مخير بين حسبتين، فكما أن الشهود مخبرون بين الأداء بالشهادة أو الستر والستر أفضل، فإن الجاني مخير بين حسبة الإقرار على نفسه لتطيرها بإقامة العقوبة عليه، وحسبه الستر على نفسه والستر أفضل، بدليل قول الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) :"من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله ومن أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد".
المبحث الثالث
وقف تقادم الدعوى الجنائية في جرائم الحدود
لقد اتفق فقهاء مذهب الأحناف على أن التقادم يوقف للعذر متى كان الدليل هو الشهادة على الحدود التي قالوا بأن الشهادة عليها تتقادم بمرور الزمن وهي حد السرقة وحد الزنا وحد الشرب، وذلك بالاتفاق بين الإمام وصاحبيه أبي يوسف ومحمد، مع ملاحظة الخلاف بين الإمام وأبي يوسف من جانب ومحمد من جانب آخر في شأن حد الشرب فهو كما سبق أن أوضحنا بتقادم الشرب عندهما بزوال الرائحة، أما عند محمد فهو بالمدة التي يتقادم بها حد الزنا وحد السرقة وهو الشهر في الرواية الصحيحة عنده، ومن الأعذار التي ذكرت باعتبارها توقف مدة التقادم ومعنى أنها توقفها أن المدة السابقة على وجود العذر تحسب والمدة اللاحقة على انتهاء العذر تحسب ضمن المدة المقررة للتقادم [1] . وأهم الأعذار التي ذكرت في هذا الصدد المرض، أو بعد المسافة، أو الخوف أو خوف الطريق، وقد قال أبو حنيفة وأبو يوسف في شأن شرب الخمر: لو أخذ الشهود الشارب وريحها موجودة في فمه ثم زالت الرائحة قبل
(1) الجريمة والعقوبة (الجريمة) أبو زهرة ص 91.