فاعتبارات الاستقرار أو الثبات القانوني في داخل المجتمع هي التي تبرر الأخذ بنظام التقادم الجنائي حتى لا تظل مصالح الإفراد مهددة بالدعوى الجنائية وهو يؤثر بدوره على عدم تأدية الأفراد لدورهم في المجتمع، ومرد ذلك إلى أن مرور فترة من الزمن بدون اتخاذ أي إجراء ضد الجاني، يترتب من جرائه هدم مبدأ البراءة (والذي يقضي باعتبار الشخص بريئا حتى تثبت أدانته بحكم بات) وقد نعامل الجاني في خلال هذه الفترة مع أفراد المجتمع وتعاملوا معه على أساس براءته، الأمر الذي أدى إلى نشوء مركز واقعي للجاني يلزم احترامه بغية تحقيق وكفالة الأوضاع والمراكز القانونية [1] . وقد أخذ على ذلك أن مبدأ الثبات القانوني أو الاستقرار القانوني، لا يصلح أن يكون أساسا يقوم عليه ويرتكن إليه نظام التقادم للدعوى الجنائية، فالثبات القانوني أو الاستقرار القانوني إنما يصح لتبرير التقادم في نطاق القانون الخاص. ولذا فإن الاعتماد على هذا الأساس لتبرير تقادم الدعوى الجنائية قد يقضي إلى نبذ فكرة التقادم في ذاتها [2] .
5 -الدفاع الاجتماعي: ويبرر نظام التقادم بالنظر إلى الأهداف المرجوة من السياسة العقابية، فالعقوبة تستهدف بالدرجة الأولى إصلاح المجرم وإعادته إلى حظيرة المجتمع مبرأ من الخطورة الإجرامية التي توافرت في حقه والتي كشف عنها ارتكابه للجريمة، وأن مرور فترة من الزمن دون اتخاذ أي إجراء بشأن الجريمة التي ارتكبت، حدا بالمشرع إلى الموازنة بين مصلحتين هما: مصلحة الهيئة الاجتماعية في عقاب مرتكب الجريمة، والآثار التي تنجم عن عقابه. وقد رجح المشرع المصلحة الثانية على المصلحة الأولى، حيث وجد أن محاكمة الجاني بعد مرور الفترة الزمنية المحددة لن يؤتي ثماره المرجوة والمتمثلة في إصلاح الجاني بتطبيق العقوبة عليه، ولذا قرر انقضاء الدعوى بالتقادم لأن مصلحة المجتمع والتي تهدف لإصلاح الجاني هي بعينها التي دعت إلى أن يسدل الستائر عن الجريمة بعد مرور فترة محددة من الزمن [3] وقد أخذ على ذلك أن تأسيس تقادم الدعوى الجنائية على الدفاع الاجتماعي مرفوض، ومرد ذلك أن جوهر نظام الدفاع الاجتماعي يقوم على إصلاح الجاني
(1) دكتور محمد عوض الأحوال -انقضاء سلطة العقاب بالتقادم- رسالة دكتوراه سنة 1964 رقم 28 ص 49 وما بعدها. وراجع د. محمود مصطفى- شرح قانون العقوبات- القسم العام- 1969 ص 666، د. محمود نجيب حسني - المرجع السابق ص 205.
(2) د. مأمون سلامة- المرجع السابق ص 239.
(3) د. أحمد فنحي سرور - الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية ج 1، 2 سنة 1980 ص 211 وقد انتهى إلى القول: بأن أساس التقادم هو"ضرورة الإسراع في الإجراءات الجنائية تحقيقا للمصلحة الاجتماعية ومصلحة المتهم"، د. مأمون سلامة المرجع السابق ص 239.