المبحث الرابع
تقادم الدعوى الجنائية في جرائم التعازير
التعزير لغة: مصدر عزر، ويقصد به الردع والمنع، كما يقصد به التقوية والنصرة [1] ، ومن ذلك قوله تعالى: (وتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ) ويقصد به أيضا التأديب. وقد عرفه الفقهاء بأنه عقوبة غير مقدرة تجب حقا لله سبحانه وتعالى أو حقا للعبد في كل معصية لأحد فيها ولا كفارة [2] . والتعزير قد يكون حقا لله أو حقا للعبد أو حقا مشتركا بين الله والعبد وحق العبد غالب أو حق الله غالب. ومن أمثلة التعزير حقا لله، الأكل في نهار رمضان بدون عذر، وتأخير الصلاة وإلقاء النجاسة ونحوها في طريق الناس [3] ، وأيضا حالة سقوط الحد بالشبهة، كالسرقة من بيت المال، لما روى أن عاملا لعمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) كتب إليه يسأله عمن سرق من بيت المال، فقال عمر: لا تقطعه عما من أحد إلا وله فيه حق، وما روى عن الشعبي أن رجلا سرق من بيت المال، فبلغ عليا كرم الله وجه، قال: أن له فيه سهما ولم يقطعه [4] . فهذه شبهة أسقطت الحد لقوله رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) :"ادروأوا الحدود بالشبهات"، ومنها أيضا حالة عدم تكامل أركان الحد كالسرقة من غير حرز أو سرقة ما دون النصاب، أو الشروع في السرقة، لما روى عن ابن عباس، أنه لما خرج من البصرة استخلف أبا الأسود الديلي، فأتى بلص نقب حرزا على قوم، فوجدوه في النقب، فقال، مسكين أراد أن يسرق فأعجلتموه، فضربه خمسة وعشرين سوطا وخلى عنه [5] . ويعد من التعازير الواجبة حقا لله تعالى كافة الجرائم الاعتداء على العرض كالفعل الفاضح وإفساد الأخلاق وإتيان المرأة المرأة وإتيان البهيمة والاستمناء [6] والتلميح بالقذف أو قذف مجهول أو القذف المعلق على شرط، كأن يقول القاذف: أن دخلت هذا المنزل فأنت زان، فدخله المقذوف، فهنا لا يلزم إقامة الحد على القاذف، ولكن يجب تعزيره، لأن فعله هذا معصية، وأيضا يدخل في هذا النوع جرائم خيانة الأمانة والنصب وشهادة الزور والبلاغ الكاذب، وجرائم التجسس، والرشوة، وأكل الربا
(1) القاموس المحيط ج 2 طبعة ثالثة سنة 1353 هـ سنة 1933 م ص 88.
(2) إعلام الموقعين لابن القيم ج 2 ص 221 طبعة مطبعة مصر- القهارة سنة 1325 هـ، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- للدردير ج 4 ص 354 طبعة سنة 1353 هـ، المهذب للشيرازي ج 2 ص 306. طبعة 1343 هـ.
(3) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير- للدردير ج 4 ص 354.
(4) المهذب - للشيرازي- ج 2 ص 298.
(5) المهذب ج 2 ص 306.
(6) المهذب ج 2 ص 285، 286، 287.