فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 61

"ما زال المسلون يصلون في جراحاتهم" [1] وبذلك يكون الإجماع منخرمًا.

ـــ الحق أن هذا الاعتراض قلة تحقيق، وتساهلٌ شديدٌ من قائله، وطريق دفعه أن يطالب صاحبه بمزيد تثبت، فإن أهل العلم لا يزالون يذمون على عدم التثبت في نسبة الأقوال إلى أصحابها؛ لما في ذلك من التقوُّل على حملة الشرع ومن ثَم التقول على الشرع.

قال ابن القيم رحمه الله (وما أكثر ما ينقل الناس المذاهب الباطلة عن العلماء بالأفهام القاصرة) [2]

وقال الشاطبي رحمه الله:"لا ينبغي أن يُنقَل حكمٌ شرعيٌ عن أحدٍ من أهل العلم إلا بعد تحققه والتثبت؛ لأنه مخبرٌ عن حكم الله؛ فإياكم والتساهل، فإنه مظنة الخروج عن الطريق الواضح إلى السيئات" [3] .

وإذا كان نقل القول عن أحد العلماء من غير تثبت في المسائل الخلافية يعد تساهلًا مذمومًا، فإنه في المسائل التي نُقِلَ فيها الإجماع يؤدي إلى إبطال الحكم الشرعي الثابت بهذا الإجماع؛ لذلك فالتثبت هنا واجب شرعي قبل أن يكون أمانة علمية.

إن إثبات القول مذهبًا لصاحبه يقتضي أمورًا ثلاثة:

أولًا: ثبوته عنه بالإسناد الصحيح، لا سيما إذا كان أحد الأئمة الذين لم تدون مذاهبهم ولم يُعتنََ بها الاعتناء بمذاهب الأئمة الأربعة، فلا يكفي أبدًا أن يقال: رُوي عن فلانٍ كذا أو ذُكر أن فلانًا قال كذا، وإذا كان مثل هذا النقل مخالفًا لإجماعٍ نقله أهل العلم فلا عبرة به بالأولى، ولا قيمة له، إذ كيف يُقضى بمثل هذا على الإجماع ويحكم بأنه منخرم ولم يثبت القول أصلًا عن صاحبه؟

إن الذين يرفعون شعار (( منهج المحدثين ) )هم أولى الناس باتباع هذا المسلك في التحقيق، وإذا أردت أن تعرف منهج المحدثين حقًا في نقل مذاهب العلماء فيكفيك أن تلقي نظرة في مصنف عبدالرزاق الصنعاني أو مصنف ابن أبي شيبة لتعرف كيف تنقل المذاهب عن أصحابها.

ثانيًا: وبعد التأكد من صحة القول وثبوته، تأتي مسألة دلالة الكلام المنقول على مذهب القائل.

هل نص الإمام على المسألة فقال مثلًا: الدم طاهر، أم قال كلامًا محتملًا؟

وإذا كان كلامه محتملًا كقول الحسن البصري:"ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم"فإنه يحتمل أكثر من معنى، فما الذي ينبغي على المحقق المنصف فعله، أن يحمله على ما يوافق الإجماع أم على ما يخالفه؟، لا سيما إذا كان إثبات هذا القول يترتب عليه الحكم بانخرام إجماعٍ نقله جماعة من أكابر علماء المسلمين؟

ثالثًا: لابد من استيعاب كلام الإمام في المسألة فإنه متى ضُمَّ إلى بعضه فسر بعضُه بعضًا.

(1) سبق تخريجه.

(2) مدارج السالكين، ابن القيم (2/ 151) .

(3) الاعتصام، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (263) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت