ولضعف هذا الاعتراض الشديد لم أذكره ابتداءً، ولم أكن لأذكره لولا أني رأيت أن البعض تأثر به، وجواب هذا الاعتراض أن هذا الخلاف الذي نقله النووي إنما هو في دم وفضلات النبي صلى الله عليه وسلم خاصةً، ولو قرأ صاحب هذا الاعتراض كامل الفقرة التي نقل منها كلام النووي لعلم ذلك.
قال النووي:"فقالوا في فضلات بدنه صلى الله عليه وسلم كبوله ودمه وغيرهما وجهان، وقال القفال في شرح التلخيص في الخصائص: قال بعض أصحابنا:"جميع ما يخرج منه صلى الله عليه وسلم طاهر"، قال:"وليس بصحيح"فهذا نقل القفال وهو شيخ طريقة الخراسانيين، وعليه مدارها، واستدل من قال بنجاسة هذه الفضلات بأنه صلى الله عليه وسلم كان يتنزه منها، واستدل من قال بطهارتها بالحديثين المعروفين أن أبا طيبة الحاجم حجمه صلى الله عليه وسلم وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليها، وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدار قطني وقال هو حديث صحيح وهو كاف في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا، وموضع الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها ولم يأمرها بغسل فمها ولانهاها عن العود إلى مثله، وأجاب القائل بالطهارة عن تنزهه صلى الله عليه وسلم عنها بأن ذلك على الاستحباب والنظافة، والصحيح عند الجمهور نجاسة الدم والفضلات وبه قطع العراقيون وخالفهم القاضي حسين، فقال:"الأصح طهارة الجميع والله أعلم" [1] ."
جواب الاعتراض الخامس:
وهو قولهم: أن هذا الإجماع ظني لا قطعي.
ـــ اعلم أن الإجماع المنقول على نجاسة الدم إجماع مشهور عند العلماء، ولكنه مع ذلك منقول بطريق الآحاد، وهذا هو وجه قولهم أنه إجماع ظني لا قطعي -أي ثبت ظنًا لا قطعًا-، فكأن المعترض هنا لا يحتج بالإجماع الظني، ولنا هنا وقفتان:
(1) المجموع (1/ 288) .