الأولى: أني أعرف من حال أكثر القائلين بطهارة الدم أنهم يحتجون بالإجماع السكوتي، وهو إجماعٌ ظنيٌ أيضًا، بل وأضعف كثيرًا مما نحن فيه.
الثانية: أن طريق إثبات حجية الإجماع المنقول بالآحاد هو طريق إثبات حجية خبر الآحاد، وكذا طريق إبطال حجية الإجماع المنقول بالآحاد هو طريق إبطال حجية خبر الآحاد، فمسألة إثبات الإجماع مسألة شرعية، والمسائل الشرعية أصولية كانت أو فروعية، يكفي في ثبوتها الظن على الصحيح، فإذا قال قائل برد إجماع لمجرد أنه ظني الثبوت يلزمه أن يقبل رد خبر الآحاد لمجرد كونه ظني الثبوت.
وإنما القاعدة أن العمل بالظن واجب، وأن الخبر المنقول بطريق صحيحٍ مقبولٌ ولو لم يكن متواترًا حتى يثبت ضعفه بعلة من علل ضعف الحديث المعلومة، فكذلك الإجماع المنقول على لسان من هو أهلٌ لنقل الإجماع بأن كان إمامًا ثقة مطلعًا مَعنيًا بنقل المذاهب واختلاف العلماء، إجماع مقبول ولو لم يكن متواترًا حتى يُثبت المعترض عليه عدم صحته بأن يأتي بمن قال بخلافه قبل زمن ناقل هذا الإجماع.
قال ابن قدامة في روضة الناظر:"وذهب قوم إلى أن الإجماع لا يثبت بخبر الواحد لأن الإجماع دليل قاطع يحكم به على الكتاب والسنة، وخبر الواحد لا يقطع به؛ فكيف يثبت به المقطوع؟ وليس ذلك بصحيح، فإن الظن متبع في الشرعيات، والإجماع المنقول بطريق الآحاد يغلب على الظن، فيكون ذلك دليلًا كالنص المنقول بطريق الآحاد، وقولهم هو دليل قاطع، قلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم أيضا دليل قاطع في حق من شافهه أو بلغه بالتواتر، وإذا نقله الآحاد كان مظنونًا وهو حجة، فالإجماع كذلك، بل هو أولى؛ فإنه أقوى من النص؛ لتطرق النسخ إلى النص وسلامة الإجماع منه فإن النسخ إنما يكون بنص والإجماع لا يكون إلا بعد انقراض زمن النص" [1] .
وأما ما نراه من بعض طلاب العلم من أنه كلما احتُج عليه بالإجماع قال: هذا ابن عبد البر إجماعاته منخرمة، وهذا النووي لا يحتج بنقله العلماء، وذاك ابن المنذر إجماعاته كالريح ... إلخ، فأمرٌ عجيبٌ ومسلكٌ غير مُرْضٍ بمرة، فهؤلاء أئمة الدنيا بأسرها وأهل الأثر والنظر، والتحقيق والتثبت، لا يجوز التجرُّؤُ عليهم بهذه الصورة، ولا يعني نقلهم لبعض الإجماعات المنخرمة أن كل إجماع نقلوه يكون منخرمًا، كما لا يعني القول بأن الحاكم متساهلٌ في التصحيح مثلًا، أن كل حديث صححه يكون ضعيفًا، وإنما يعني أن تصحيحه لا يقبل إلا بعد مزيد تحرٍ، فكذلك هنا، الأمر يستلزم مزيد تَحَرٍ وبحثٍ عن وقوع خلاف في المسألة، فإن عُلِم أن ثمة من خالف قبل زمن الإمام الناقل للإجماع وثبت عنه هذا القول على النحو الذي بيَّنَّاه سابقًا، ثبت انخرام الإجماع، وإلا وجب العمل به.
(1) روضة الناظر وجنة المناظر، ابن قدامة (78) .