ـــ فقطعي الدلالة كالنص، وهو ما لا يدخل الاحتمال في فهمه بأن لا يحتمل إلا معنىً واحدًا، كقول الله تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) [1] .
ـــ وقطعي الثبوت الذي لا يدخل الاحتمال في ثبوته كالقرآن والخبر المتواتر.
ـــ وظني الدلالة ما احتمل أكثر من معنى يمكن أن يحمل عليه، كقول الله تعالى:
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ) [2] ، فإن القرء يحتمل أن يكون بمعنى الطهر كما يحتمل أن يأتي بمعنى الحيض.
ـــ وظني الثبوت هو ما يدخله احتمال عدم ثبوته كخبر الآحاد.
والإجماع قد يكون قطعي الثبوت كإجماع العامة وقد يكون ظني الثبوت كالإجماع المنقول بالآحاد، وقد مر الكلام على الاحتجاج به.
أما من ناحية الدلالة فلا يكون الإجماع إلا قطعي الدلالة باتفاق عامة أهل العلم خلافًا لبعض المتكلمين، قال ابن النجار:"هذا مذهب الأئمة الأعلام، منهم الأربعة وأتباعهم وغيرهم من المتكلمين" [3] .
ومن المعلوم أيضًا أن الإجماع لا يقبل النسخ بخلاف نصوص الكتاب والسنة، لأن النسخ لا يكون إلا بنص، والإجماع لا يكون إلا بعد انقضاء زمن النص.
فإذا عارض الإجماعَ دليلٌ من كتابٍ أو سنةٍ وجب النظر في هذا التعارض وفق الأصول والقواعد التي وضعها العلماء.
واعلم أنه قد تأخذ البعضَ حميةٌ ـــ في غير موضعها ـــ للكتاب والسنة فيرد الإجماع الثابت المعمول به على مدار مئات السنين من أجل فهمٍ خاصٍ لدليلٍ ظني، خالفته في فهمه على هذا النحو الأمة بأسرها، فإذا ما اعترض عليه بالإجماع راح ينقل كلام الإمام أحمد"من ادعى الإجماع فهو كاذب"، ناسيًا أو متناسيًا أن أحمد قد استدل بالإجماع في مسائل عدة منها هذه المسألة بعينها، والذي يدفعه إلى سلوك هذا المسلك اعتقاده أنه بذلك ينصر الكتاب والسنة ويقدمهما على أى شيء.
وهو بذلك يغفل أمرين مهمين:
أولًا: أن الإجماع إنما ثبتت حجيته ووجوب اتباعه بالكتاب والسنة، فمتبع الإجماع متبع للكتاب والسنة، ومخالفه مخالف لهما.
(1) الفتح (29) .
(2) البقرة (228) .
(3) شرح الكوكب المنير، ابن النجار (2/ 214) .