فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 61

ثانيًا: أن هناك فارق عظيم بين الكتاب والسنة وبين الفهم الخاص لدليل ظني من الكتاب أو السنة، فهذا الفهم الذي فهمه من الدليل الظني قد لا يكون هو المراد منه، وهذا هو الفارق بين قطعي الدلالة الذي تستطيع أن تجزم بدلالته، وبين ظني الدلالة الذي لا يُتحصَّل منه إلا على مجرد احتمال مظنون.

والترجيح إذا بني على عصبية وحمية غير مرشَّدةٍ بالقواعد والضوابط كان ضربًا من اتباع الهوى بلا شك، والذي يعصم من اتباع الهوى في فهم النصوص هو تحكيم القواعد والأصول التي بناها العلماء على أسس من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول، فإنها ميزان دقيق به توزن الأفهام والأنظار.

فإذا بان تعارضٌ بين دليلٍ من كتاب أو سنة وبين إجماع ثابت فلا يخلو هذا الدليل من أن يكون قطعي الدلالة أو ظني الدلالة.

فإن كان قطعي الدلالة، فالإجماع على خلافه يدل على أنه منسوخ، فإن الإجماع لا يَنسَخ لكنه يدل على وجود ناسخ، وإن لم نعرفه.

قال الخطيب البغدادي:

"اعلم أن النسخ قد يعلم بصريح النطق كما ذكرنا في حديث تحريم المتعة، وقد يعلم بالإجماع، وهو أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر، فيستدل بذلك على أنه منسوخ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ" [1] .

وقال العطار:

"الإجماع على خلاف النص دليلٌ على قدحٍ في ذلك النص إما بضعف أو نسخ" [2]

ولا عبرة بقول من قال أنه يلزم من ذلك أن الأمة قد ضيعت الناسخ وحفظت المنسوخ، لأننا نقول قد حفظت الأمة الحكم الناسخ وهذا هو المقصود، أما اللفظ فقد يكون غير منقول، أو منقولًا إلا أن الدلالة فيه خفيةٌ جدًا؛ فترك العلماء الاستدلال به واكتفوا بنقل الإجماع، أو قد يكون الدليل الناسخ قد نسخ هو الآخر لفظًا وبقي الحكم، كما في حديث عائشة في صحيح مسلم: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن) ، فالناسخ هنا قد نُسخ بدوره لفظًا، وبقي حكمه وحفظته الأمة.

والصواب أنه يستحيل أن يعارِض إجماعٌ ثابتٌ نصًا ثابتًا غير منسوخ؛ لأن ذلك من التعارض الذي نُزهت عنه شريعة الله، قال الله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [3] .

(1) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي (1/ 339) .

(2) حاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع (2/ 487) .

(3) النساء (82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت