وإن كان الدليل المعارض ظني الدلالة، فالواجب تقديم الإجماع عليه؛ لأن دلالته قطعية ودلالة الدليل المعارض ظنية، وقد أجمع العلماء والعقلاء على تقديم القطعي على الظني، وصورة تقديم الإجماع هنا أن يعمل به ويصرف الدليل الآخر عن الظاهر بالتأويل، فنكون بذلك في الحقيقة قد عملنا بكلا الدليلين، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
جاء في شرح المحلي على جمع الجوامع:
" (و أنه) أى الإجماع بناء على الصحيح أنه قطعي (لا يعارضه دليل) لا قطعي ولا ظني (إذ لا تعارض بين قاطعين) لاستحالة ذلك (و لا) بين (قاطع ومظنون) لإلغاء المظنون في مقابلة القاطع" [1] .
فعلى هذا الأصل ينبني الفرع الذي نحن فيه، فإن الإجماع المنقول عن ثلاثة عشر عالمًا من أكابر علماء المسلمين معارَضٌ في أذهان من يقول بطهارة الدم بالآثار والأدلة النظرية التي ذكروها، فطريق الجواب عن كل ما ذكروه إجمالًا أن يقال:
هذا إجماع لا سبيل لأحد أن يثبت انخرامه بإثبات القول بالطهارة عن أحد من العلماء قبل زمان نقلة الإجماع، وقد رأيتم أنه قد عارضته أدلة ظنية الدلالة تحتمل وجوهًا عدة، فالواجب عليكم حمل الأدلة المعارِضة على وجه غير الذي يعارض الإجماع؛ فتجمعون بذلك بين الأدلة، وتوافقون العلماء، وتخرجون من مأزق مخالفة الإجماع.
فإن قيل: لا يجوز حمل الأدلة على خلاف الظاهر.
قلنا: بل يجوز إذا كان ثَمَّ معارض، ولذلك لم يوافقكم على قولكم أحد من أهل العلم ولا حتى أهل الظاهر.
وانظر إلى رد الحافظ على الْمَازِرِىّ حين أنكر جمعًا بين حديثٍ ظني وإجماع بأن هذا الجمع خلاف الظاهر من الحديث، حيث قال الحافظ: (إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب!؛ فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتمًا) [2] .
هذا هو الرد الإجمالي على احتجاجهم بأي دليل يرون أنه يدل على طهارة الدم، وفي هذا الرد كفاية لكل منصف، ولكن مع ذلك نبين الرد التفصيلي على كل أثر استدلوا به على حدة، فنبين معناه الصحيح من خلال فهم العلماء والسلف له، ونذكر وجوه الاحتمال التي يحتملها كل دليل والتي لا يعارض الإجماعَ شئٌ منها.
ولسوف تعجب من طرح القائلين بطهارة الدم لكل هذه الاحتمالات التي ذكرها العلماء وإصرارهم على الفهم الذي يخالف الإجماع، مع عجزهم عن إثبات القول بالطهارة عن أحد.
(1) شرح جلال الدين المحلي على جمع الجوامع، (2/ 202) ، وانظر أيضا: البحر المحيط، باب (إذا أجمعوا على خلاف الخبر) (4/ 459) فإن فيه فوائد.
(2) فتح الباري شرح صحيح البخاري، الحافظ ابن حجر العسقلاني (9/ 277) .