لي منعة، قال: فجعلوا يضحكون ويحيل بعضهم على بعض، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جاءته فاطمة فطرحت عن ظهره [1] .
ــ وجه الدلالة من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أكمل صلاته وسلى الجزور على ظهره، فلو كان الدم نجسًا لقطع صلاته أو لطرح سلى الجزور عن ظهره، كما فعل وخلع نعليه حين أخبره جبريل أن فيهما أذى فلما لم يفعل علمنا أن الدم ليس من النجاسات.
الجواب:
والجواب عن ذلك أن الحديث ليس نصًا قطعيًا، بل ولا حتى ظاهر الدلالة على دعوى طهارة الدم، وقد أسلفنا في الجواب عن الاعتراض السادس أن الدليل الظني الذي يحتمل التأويل إذا عارض وجه من وجوه معانيه دليلًا قطعيًا كنص أو إجماع وجب صرفه عنه، ولم يحمل عليه بحال، وحُمِل على غيره جمعًا بين الأدلة، وهذا ما فعله الأئمة الذين تعرضوا للحديث بالشرح، حيث لم يفهم واحد منهم أنه يفيد طهارة الدم، وراحوا يحملونه على عدة احتمالات ذكروها، كلها واردة على الحديث وكلها ذات وجاهة، وقد رأيتُ أن أنقل كلامهم بنصه لما فيه من فوائد جمة.
قال الحافظ في الفتح:
(باب(إذا ألقي على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته) قوله (لم تفسد) محله ما إذا لم يعلم بذلك وتمادى، ويحتمل الصحة مطلقًا على قول من ذهب إلى أن اجتناب النجاسة في الصلاة ليس بفرض وعلى قول من ذهب إلى منع ذلك في الابتداء دون ما يطرأ، وإليه ميل المصنف وعليه يتخرج صنيع الصحابي الذي استمر في الصلاة بعد أن سالت منه الدماء برمي من رماه) [2] .
وقال النووي في شرح مسلم:
(في هذا الحديث إشكال؛ فإنه يقال كيف استمر في الصلاة مع وجود النجاسة على ظهره؟، وأجاب القاضي عياض بأن هذا ليس بنجس، قال: لأن الفرث ورطوبة البدن طاهران، والسلا من ذلك، وإنما النجس الدم، وهذا الجواب يجيء على مذهب مالك ومن وافقه أن روث ما يؤكل لحمه طاهر، ومذهبنا ومذهب أبي حنيفة وآخرين نجاسته) ثم ضعف النووي رحمه الله هذا التوجيه وقال: (أما الجواب المرضي أنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما وضع على ظهره فاستمر في سجوده استصحابًا للطهارة) [3] .
وقال ابن عبد البر في التمهيد:
(1) رواه البخاري (ج 1/ص 53/ح 241) ، ومسلم (ج 2/ص 784/ح 4750) .
(2) فتح الباري، الحافظ ابن حجر (1/ 415) .
(3) شرح صيح مسلم، النووي (ج 12/ص 362) .