(وقد احتج بعض أصحابنا بحديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وضع عقبةُ بن أبي معيط سلا الجزور على ظهره وهو يصلي فلم يقطع لذلك صلاته، كان ذلك دليلًا على أن النجاسة ليس بفرض غسلها، ولو سلم له ظاهر هذا الحديث بأن يكون السلا من جزور غير مذكى لما كان غسل النجاسات سنة ولا فرضًا، وقد أجمعوا أن من شرط الصلاة طهارة الثياب والماء والبدن، فدل على نسخ هذا الخبر) [1] .
و قال شيخ الإسلام في شرح عمدة الفقه:
(قلنا:
1 ـ قد قال بعض أصحابنا: هذا منسوخ؛ لأنه كان بمكة في أول الأمر ولعل الصلوات الخمس لم تكن فرضت حينئذ وفرض الطهارة إنما نزل بالمدينة.
2 ـ وأيضا فإن الحكم بنجاسة الدم ونجاسة ذبائح المشركين إنما علم لما حرمت الميتة والدم ولحم الخنزير ولعل هذا التحريم لم يكن نزل بعد.
3 ـ وقيل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم ما وضعوا على ظهره حتى قضى صلاته، والنجاسة إذا لم يعلم بها لم تبطل، ثم إنه لم يطل الفصل؛ لأن فاطمة جاءت فألقتها عن ظهره وأقبلت عليهم تسبهم، فقد عَلِم أنهم ألقوا على ظهره شيئًا لكن لم يدر ما هو، وألقي عنه بأبي هو وأمي لم يدر ما هو.
4 ـ وقيل هذا يقتضي طهارة الموضوع فوق ظهره فيفيد أن فرث الإبل طاهر والدم؛ فإنه كان دمًا يسيرًا معفوًا عنه لأن الذي يعلق بالسلا من الدم لا يكون كثيرًا في العادة ـ قال رحمه الله: وهذا الوجه أقرب من غيره) [2] .
فنخلص من كلام أئمتنا رحمهم الله ورضي عنهم أنهم استشكلوا إكمال الصلاة مع الدماء فراحوا يوجهون الحديث توجيهات عدة لم يذكر واحد منهم فيها احتمال طهارة الدماء، لأن نجاسة الدماء عندهم مسلمة لا شك فيها، وجملة ما قالوه في الحديث أنه تعتريه سبعة احتمالات:
الأول: أن الحديث منسوخ، واختاره ابن عبد البر وبعض الحنابلة.
الثاني: أنه يدل على أن اجتناب النجاسات ليس بفرض، وهو مذهب بعض أهل العلم.
الثالث: أنه دليل على أن النجاسة إذا طرأت أثناء الصلاة عفي عنها، وإليه مال البخاري كما قال الحافظ، وهو ظاهر في تبويبه.
الرابع: أن الحكم بنجاسة الدم لم يكن قد نزل بعد.
الخامس: أن فرض الصلاة والطهارة وأحكامهما لم تكن قد نزلت بعد.
(1) التمهيد، ابن عبد البر (22/ 242) .
(2) شرح عمدة الفقه، ابن تيمية (4/ 409) .