فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 61

ـــ وجه الدلالة: أنه دفن شهداء في دمائهم ولو كان الدم نجسًا لوجب غسله؛ لأنه لا يليق بمقام الشهيد أن يدفن ملطخًا بالنجاسات.

الجواب:

قبل الجواب عن هذا الاستدلال نُذَكّر بأن دم الشهيد خارج عن محل النزاع، وقد حررنا محل النزاع في أول البحث، وتبيَّن أن دم الشهيد مختلف فيه بين أهل العلم خلافًا معتبرًا، فالدليل إذًا ليس في محل النزاع.

ولو سلمنا أنه في محل النزاع، فالواجب إذا حصل تعارض في الذهن بين هذا الحديث وبين الإجماع الثابت الذي نقله العلماء

-كما نبهنا مرارًا- هو أن نحمل الحديث على غير الجهة التي تعارض الإجماع، ويمكن أن نحمل الحديث على إحدى الاحتمالات التالية:

1 ــ أن الدم نجس وإنما رخص في ترك غسل دم الشهيد للعسر وعموم البلوى؛ فإن في تكليف المجاهدين تغسيل الشهداء مشقة بالغة بالنظر إلى ما هم فيه من جهد القتال وعنائه والانشغال به، والقاعدة المقررة أن المشقة تجلب التيسير، وهذا الحكم من رحمة الله تعالى بعباده المجاهدين، فلو كُلّفنا تغسيل الشهداء لا سيما في هذا الزمان لما أطقنا ذلك.

وقد عوض الله الشهداء عن ذلك بأن جعل دماءهم يوم القيامة كالمسك، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يُكْلَم أحد في سبيل الله -والله أعلم بمن يكلم في سبيله- إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك) [1] .

فإن قيل: لو كان ترك تغسيلهم رخصة للعسر والمشقة كما تزعم فهلا رخص الشرع في ترك دفنهم بالأولى؛ إذ المشقة في الدفن أكبر والانشغال به عن القتال أعظم.

قلت: لا نُسَلّم أن مشقة الدفن أعظم من مشقة التغسيل في أرض القتال، فإن تكليف الحصول على الماء في أرض المعركة ثم تغسيل الشهداء به مع مسيس الحاجة إليه، ونزع ثياب الشهداء وما يلبسونه من دروع وغيرها مع التحفظ للعورات، وإزالة الدم عنهم مع ما يعرض له من تجلط، ثم تكفينهم بعد ذلك في ثياب نظيفة لا دماء فيها -وإلا لم يكن للتغسيل فائدة-، كل ذلك أشق بلا ريب من مجرد دفنهم في ثيابهم دون تغسيل.

كما أن ترك الدفن فيه من الإهانة والمفاسد ما هو أعظم بكثير من مفسدة الانشغال بدفنهم بعض الوقت.

فإن قيل: يلزم من ذلك أنه لو لم يكن هناك مشقة في تغسيل الشهداء كأن يكون عددهم قليلًا مثلًا، أنه يجب تغسيلهم لزوال العلة التي لأجلها رخص الشرع في ترك تغسيلهم، وهذا مخالف لما عليه جماهير العلماء.

(1) رواه البخاري (ج/2/ص 545/ح 2840) ، ومسلم (ج 2/ص 825/ح 496) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت