فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 61

قلنا: لا نلتزم ذلك، بل هي رخصة ثابتة مستمرة أناطها الشرع بعلة وهى الشهادة، فحيثما وجدت العلة وجد الحكم وإن تخلفت الحكمة في بعض الصور، كما أناط الشرع جواز الفطر بعلة السفر ولو لم يكن فيه مشقة، فالأحكام تناط بالمظنة لا بالمئنة.

2 ــ ويمكن أن يقال أيضًا: الدم نجس، وإنما رخص الشرع في ترك دماء الشهداء لتكون بيّنة لهم يوم القيامة. وقد جاءت آثار عن بعض السلف تدل على هذا المعنى، من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن زيد بن صوحان يوم الجمل أنه قال:"ارمسوني في الأرض رمسًا ولا تنزعوا عني ثوبًا إلا الخفين فإني محاج أحاج" [1] .

وقال حجر بن عدي"لا تغسلوا عني دمًا ولا تطلقوا عني قيدًا وادفنوني في ثيابي فإنا نلتقي غدًا بالجادة" [2] .

وكذا عن عمار بن ياسر قال:"ادفنوني في ثيابي فإني مخاصم" [3] .

3 ــ ويمكن أن يحمل الحديث على أنه يدل على طهارة دم الشهيد خاصةً، كما ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، ويكون الدليل في هذه الحالة أخص من الدعوى؛ لأن الدعوى هي طهارة الدماء كلها، والحديث لا يدل إلا على طهارة دم الشهيد فقط، وأن الشهادة سبب في تطهير دم الآدمي.

ولقائلٍ أن يقول: فرقتم بين دم الشهيد ودم غيره من غير دليل، وبيان ذلك أنه لو قدّرنا رجلين يقاتلان في الصف معًا الأول يقاتل في سبيل الله والثاني يقاتل رياءً وسمعةً فقتلا جميعًا، فإن الأول يكون شهيدًا ظاهرًا وباطنًا ويطهر دمه بالشهادة على قولكم، والثاني يكون شهيدًا ظاهرًا فقط ويكون دمه نجسًا في نفس الأمر، وليس هناك فارق بين هذا وذاك إلا النية، والنية ليس لها مدخل في التطهير والتنجيس، فبان أن التفرقة بينهما بلا دليل.

وجواب ذلك أن يقال:

قد ثبت في الشرع أن للنية مدخل في التطهير والتنجيس، فهذه شاة تذبح في سبيل الله فتكون طاهرةً حلالًا طيبًا وهذه أخرى تذبح لغير الله فتكون ميتةً نجسةً وليس هناك فارق بين هذه وتلك إلا النية، فبان أن التفرقة بين دم الشهيد وغيره بمجرد النية لها نظيرٌ في الشرع، وبالله التوفيق.

فإذا تأملت الاحتمالات السابقة علمت أن حمل الحديث على أحدها ممكن من غير تكلف، ويكون ذلك جمعا بين الحديث وبين الإجماع، وأما حمله على أن الدماء كلها طاهرة فهو فوق أنه استدلال بدليل أخص من الدعوى، فهم مخالف للإجماع، و لم يقل به أحد من أهل العلم، وتقديم للظني المحتمل على القطعي، وناهيك بذلك مخالفة للقواعد.

(1) رواه ابن أبي شيبة (7/ 150/ 11107) ، وعبد الرزاق (3/ 542/ 6640) .

(2) رواه ابن أبي شيبة (7/ 149/ 11104) .

(3) رواه ابن أبي شيبة (/7/ 151/ 11111) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت