البر من الفاجر والتقي من الغوي والظالم من المظلوم. ولما كان العلم للعمل
قرينا وشافعا، وشرفه لشرف معلومه تابعا، كان أشرف العلوم على الاطلاق
علم التوحيد، وأنفعتها على احكام أفعال العباد، ولا سبيل إلى اقتباس هذين النورين وتلقي هذين العلمين إلا من مشكاة من قامت الادلة القاطعة على عصمته، وصرحت الكتب السماوية بوجوب طاعته واتباعه، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. ولما كان التلقي عنه صلى لله عليه وسلم على نوعين: نوع بواسطة ونوع بغير واسطة، وكان التلقي بلا واسطة حظ أصحابه الذين حازوا قصبات السباق واستولواعلىلامد فلا طمع لأحد من الأمة بعدهم في اللحاق، ولكن المبرز من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى منهجهم القويم. والمتخلف من عدل عن طريقهم ذات اليمين وذات الشمال فذلك
المنقطع التائه في بيداء المهالك والضلال فاي خصلة خير لم يسبقوا إليها؟ وأي
خطة رشد لم يستولوا عليها؟ تالله لقد وردوا رأس الماء من عين الحياة عذبا
صافيا زلالا، وأيدوا قواعد الاسلام فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالا، فتحوا القلوب
بعدلهم، بالقرآن والايمان، والقُرى بالجهاد بالسيف واللسان، وألقوا إلى التابعين
ما تلقوه من مشكاة النبوة خالصا صافيا، وكان سندهم فيه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم عن جبريل عن رب العالمين سندا صحيحا عاليا، وقالوا: هذا عهد
نبينا إلينا وقدعهدنا إليكم، وهذه وصية ربنا وفرضه علينا وهي وصيته وفرضه عليكم، فجرى التابعون لهم بإحسان على منهاجهم القويم واقتفوا على آثارهم صراطهم المستقيمنُم سلك تابعو التابعين هذا المسلك الرشيد وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ... ولما كانت الدعوة إلى الله والتبليغ عن رسول الله شعار حزبه المفلحين وأتباعه من العالمين، كما قال تعالى: قل
هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعبي وسبحان الله وما أنا من المشركين سورة يوسف 108 وكان التبليغ عنه من عين تبليغ ألفاظه وما جاء
به وتبليغ معانيه كان العلماء من أمته منحصرين في قسمين: أحدهما حفاظ الحديث وجهابذته والقادة الذين هم أئمة الآنام وزوامل الاسلام الذين حفظوا
على الأئمة معاقد الدين ومعاقله وحموا من التغيير والتكدير موارده ومناهله