فهرس الكتاب
وفيما يلي، سنجتهد في فهم هذه الكلمة، وذلك من خلال الإطار العام الذي وردت فيه هذه الكلمة:
إن العلة التي ذكرها جل شأنه سببًا لاستغفار إبراهيم لأبيه المشرك، هو كونه، 5 {أواه حليم} .
قلنا سابقًا في تأويل {الحِلْم} بأنه كبح جماح النفس عن الاستسلام لحالة الغضب، أو اليأس من الآخرين. فكان في وصف إبراهيم 5 بانه {حليم} في هذا الموقع من هذه الآية إشارة إلى أنه لم يستسلم لحالتي الغضب واليأس أمام ما رآه من إصرار أبيه على الكفر، وتهديده له بالرجم والهجران.
وقد جاءت كلمة {حليم} بعد كلمة {أواه} بدون الفصل بينهما بحرفٍ من حروف العطف، إشارة إلى أنهما يشتركان في مسار واحد، ولكن الابتداء بكلمة {أواه} يشير غلى أنها الأصل الذي تولَّدت عنه صفة {حليم} .
لقد نظر أبو ذر الغفاري رضي الله عنه إلى أصل الكلمة، فأُثر عنه تأويله للكلمة: إنه المتأوه. فمن هو المتأوه؟
إن التأوه حالة تعبيرية، يطلقها الإنسان عندما يصل غلى ذروة الحالة النفسية حزنًا أو ألمًا أو وجدًا. فإذا نظرت إلى الناس، فستجد أن الذين يعيشون بقلوب قاسية، تكاد ألا تسمع لهم تأوّهًا، وأما ذوو القلوب الرقيقة، فإنك كثيرًا ما تسمع تأوهاتهم.
وهذا ما كان من شأن إبراهيم 5، كان كثير التأوّه، حسبما تشير إليه صيغة الكلمة، التي جاءت على وزن من أوزان صيغ المبالغة {فعّال} ، ولم يكن تأوّهه، 5، خوفًا وقلقًا على نفسه، بل على من تبعه أولًا، وعلى الناس جميعًا ثانيًا.
فكان الخوف على مصائر الناس يملأ قلبه حزنًا، ونفسه قلقًا فيصدر منه التأوّه تلو التأوّه.
ب {حليم}
إذا كانت نفسه العظيمة 5، وقلبه العامر بالرأفة والرحمة يجعله ينفث التأوّهات قلقًا على مصائر الناس، فهل تتوقع منه أن يغضب على أحد من الناس؟
1.رأينا قبل قليل ردّ فعله أمام إصرار أبيه على الكفر، إذ قال له: قال تعالى؟