فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 234

{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}

العزلة: المفارقة.

ولم يصل إبراهيم عليه السلام إلى قرار اعتزالهم واعتزال آلهتهم إلا بعد أن لم يجد منهم قبولًًا لما يدعو إليه. ولم يكن قرار اعتزالهم اختيارًا منه عليه السلام، بل كان بأمر من الله تعالى، لأنه ليس للأنبياء أن ينصرفوا عن الدعوة إلى الله إلا بأمرٍ منه سبحانه، فإذا كان اعتزالهم بغير أمر من الله تعالى، فقد خالفوا أمر الله، وهو الأمر الذي لا تجوز نسبته إلى خليل الرحمن ...

{وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) }

ترافق الدعاء مع نيته على اعتزال القوم. فما هو مضمون الدعاء؟

إن الأنبياء أكرمهم الله تعالى بأن لم يجعل الدنيا همهم، ولا مبلغ علمهم، فكانوا، جميعًاُ، يرون أنفسهم غرباء في هذه الدنيا، لأنهم يعلمون من الله مالا يعلمه البشر الآخرون.

لذلك فإن دعاء إبراهيم عليه السلام كان يطلب به رضي الله تعالى، فإذا طلب شيئًا من الدنيا، فإنما يطلبه، ليكون علمًا من أعلام الهداية في الأرض.

{عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا}

قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) } البقرة: 216

وهذه الآية تفسّر الشقاء الذي يقصده إبراهيم عليه السلام فقد كان يدعو بالخير لنفسه ولذريته ولمن آمن به، ولمن لم يؤمن، ولكنه لا يعلم إن كان ذلك الدعاء يحقق الخير على الأرض أم لا، لأن ذلك من علم الغيب، ولذلك كان يدعو الله أن لا يكون دعاؤه بالخير سببًا في شقاء البشرية على الأرض، الذي إن وقع، فسيكون سببًا لشقائه هو، والذي لن يعدو كونه ألمًا وحزنًا على العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت