وأما ما فعله النمرود فلم يكن إحياءً لذات ميِّتة، ولم يكن قتله للرجل سلبًا للحياة، إنما قدرة على التصرّف في أسباب الموت والبقاء على قيد الحياة، تلك الأسباب التي يسّر جل شأنه للإنسان أن يتحكم فيها، تحقيقًا لمعنى الابتلاء، قال تعالى:
{الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } الملك: 2
ومع ذلك، فإننا لا نجد إبراهيم عليه السلام يقف أمام كلام النمرود، معترضًا على ما فهمه من معنى الموت والحياة، فقد تغاضى عن ذلك، ليكون في ذلك سببًا لالتزام النمرود الاستسلام للحجّة، ومن ثمّ ليطرح عليه الصفة التي يجد سبيلًا للتحايل من أجل الاتصاف بها، وهو قوله عليه السلام.
(قال إبراهيم عليه السلام فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب)
ربي يأتي بالشمس من المشرق، فإن كنت أنت ربًَّا فأت بها من المغرب. فأدرك النمرود أنه لا قدرة له على ذلك، وأراد أن يّرد على حجة إبراهيم عليه السلام، فلم يجد ما يقول، فكان حاله كما قال رب العالمين.
{فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}
أي تحّير ودُهش.
وكان من المفروض أن يستسلم النمرود لحجّة إبراهيم عليه السلام، ولكنه لم يفعل، وأصّر على كفره، فاستحق أن يذكره جل شأنه بقوله (الذي كفر) .
{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}
تصريح منه جل شأنه بأن الهداية تتحقق لمن لم يكن الظلم ديدنه في الحياة. وأما الذين التزموا الظلم والعدوان، فلا هداية لهم، ويوثّق ذلك قوله جل شأنه: