{ربي الذي يحي وأميت}
أي هو الذي يعي الحياة للأحياء، ويسلبها منهم متى أراد. فرّد عليه النمرود قائلًا:
{أنا أحي وأميت}
ونلاحظ في هذا القول ما يلي:
1 -أن الرجل لم يقل مثل ما قال لإبراهيم عليه السلام عندما دعاهم إلى عبادة الله الواحد الأحد. فلو كان حاله كحالهم لردّ الحياة والموت إلى الأصنام التي كان القوم يعبدونها، فكان في نسبة الإحياء والإماتة إلى نفسه مؤشرًا على أنه كان يرى نفسه إلهًا، حاله كحال فرعون الذي قال لشعبه ... {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) }
2 -ولو أن النمرود كان منكرًا لفكرة الربّ الذي يعبده إبراهيم عليه السلام، لما قبل أن يجلس مجلس المناظرة، ولو كانت دعوة إبراهيم عليه السلام مجرّد كلمات يلقيها، لما وجد فيها النمرود ما يجعله يسلّم بفكرة إله إبراهيم. أي أن تسليم الرجل بوجود ربّ إبراهيم تحقّق من خلال معجزة عظيمة، لم تدع له مجالًا للإنكار، وهي معجزة خروجه من النار العظيمة سليمًا معافى، لم يمسّه أدنى أذى، فأدرك أن ذلك لا يتحقّق إلا من خلال وجود قوّة عظمى قادرة، حقّقت النجاة لإبراهيم من النار.
فأدرك النمرود أن يساوي نفسه بإله إبراهيم في الإحياء والإماتة، فقال (أنا أُحي وَأُمِيتُ) يعني بذلك انه إذا أُتي بالرجلين قد تحتّم قتلهما، فأمر بقتل أحدهما، وعفا عن الآخر، فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر.
ولم يكن في ذلك حجّة للنمرود، لأنَّ الإحياء والإماتة اللذين أسندهما إبراهيم إلى رب العالمين ليسا كما ظنّ النمرود، لعنه الله. فالإحياء لدى الله تعالى هو الإيجاد من عدم، والإماتة هي استرجاع الروح من ذلك الجسد، ليغدو جثة لا حياة فيها.