فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 42

ونجد العلامة ابن خلدون، يعرف اللغة من خلال كتابه"المقدمة"في قوله:"اعلم أن اللغة في المتعارف عليه، هي عبارة المتكلم عن مقصوده، وتلك العبارة، فعل لساني ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها" [1] .

ومن خلال هذا العريف لابن خلدون، نجد في قوله أن"اللغة عبارة المتكلم عن مقصوده"، بمعنى أن اللغة وسيلة يمتلكها متكلم اللغة، ويعبر بواسطتها عن آرائه ومتطلباته، وأحاسيسه، ويتوسل الإنسان للغة لتحقيق عملية التواصل بينه وبين أفراد بيئته، وللإجابة عما في نفسه، إذ يقصد المتكلم عبر كلامه إيصال الأفكار إلى المحيط الخارجي، أما عن قوله"فعل لساني ناشئ عن القصد"، إن اللغة في نظر ابن خلدون نشاطا لساني يقوم به الإنسان عبر لسانه، فالتعبير الكلامي لا يحدد فقط، إلا من خلال الفعل اللساني الحاصل خلال التعبير، فمن هذا القول يظهر لنا، أن ابن خلدون يبرز دور اللسان في تفعيل اللغة، فهو ناشئ عن القصد بإفادة الكلام، وناجم عن تصميم ذاتي، فإن اللغة التي يتداولها الإنسان، لا تصدر بعشوائية، بل تأتي إدراكا وتكتسب معنى، أما بالنسبة لهذا الأخير"فلا بد أن تصير ملكة متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتها،"ومفهوم الملكة اللسانية مفهوم قد طوره ابن خلدون، فاللغة في نظره قائمة عند الإنسان، لأنه قد امتلك هذه الملكة اللسانية، وقد اعتبر اللغة ملكة لسانية متقررة في العضو الفاعل لها، وهو اللسان، فهي متجانسة بالرغم من تنوع الجنس البشري، وأن جميع اللغات عمليات الاتصال والتواصل في المجتمع، وأن كل اللغات، تقوم بأداء الوظائف نفسها، وهذه الملكة ما هي إلا نسق كلي للتمثل الذهني للغة" [2] ."

لأن كل إنسان قد وهب ملكة لغوية، التي تمكنه من تعلم اللغة، واكتسابها، واستعمالها وفق مقتضيات التواصل المختلفة، فاللغة الإنسانية ملكة خاصة بالإنسان، وتتنوع بتنوع الشعوب، والمجتمعات الإنسانية، ومنه فإن اللسان في كل أمة بحسب اصطلاحاته.

لقد كانت الحاجة ماسة إلى تحديد الأبحاث اللغوية العربية القديمة، التي خلفها اللغويون القدماء، والتي عبرت عن براعة في التفكير، وعن سبق حضاري فلم تبقى رهينة تصوراتهم، بل عالجها العديد من اللغويين المحدثين، كل حسب إواليته وتوجهاته، وعلى رأسهم، رائد المدرسة البنيوية الأوربية، والأب الروحي للسانيات الحديثة فرديناند دوسوسير، ومؤسس اللسانيات التوليدية التحويلية نوام تشومسكي، بالإضافة إلى ممثل الدكتور عبد القادر الفاسي الفهري، وأندريه مارتينه.

"ينبغي أن أشير هنا قبل الخوض في تعريف اللغة إلى تفريق دوسوسير اللغة الملكة language، واللغة المعينة langue، فاللغة الملكة هي مقدرة فطرية بطبيعتها، يزود بها كل مولود بشري، وهي أهم السمات التي تميز الإنسان"

(1) ابن خلدون،"المقدمة"، تحقيق، درويش الجويدي، المكتبة العصرية صيدا، لبنان، ص: 545.

(2) عبد القادر الفاسي الفهري،"اللسانيات و اللغة العربية"،نماذج تركيبية ودلالية، المعرفة اللسانية، أبحاث ونماذج، الطبعة الآولى، دار توبقال للنشر، (1988) ، ص:42 - 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت