التأوُّه والتفجع والحزن، بيد أننا نرى أنها جاءت موافقة لما يسيطر على نص الرسالتين من عاطفة غاضبة شديدة مصحوبة بصوت عالٍ يناسبه الألف الممدود؛ لينتج بمده مزيدًا من التقريع والتوبيخ للحجاج من سليمان المفتقر إلى وسيلة صوتية تلفت سمع الحجاج؛ لذا أكثر من استخدام الألف، أما الحجاج فيبدو واثقًا ثابتًا في رده، لم يُلجئه غضبه إلى مواجهة سليمان بنبرته الغاضبة المغتاظة نفسها؛ لذا كان استخدامه للأصوات ذات الإيحاءات السابقة أقل من سليمان.
إن الأصوات السابقة كلها تنتمي إلى فصيلة الأصوات المجهورة التي رأينا تفوق سليمان في استخدامها على الحجاج باستثناء صوت اللام الذي رأينا الحجاج يزيد فيه على سليمان مرة واحدة، ونختم الحديث عن الأصوات المجهورة بصوت الباء، لنجده عند سليمان أكثر منه عند الحجاج، والباء صوت شفوي انفجاريٌّ مجهور، وهو"بحكم انفجاره الصوتي بانفراج الشفتين سريعًا بعد ضمة شديدة، فهو أوحى ما يكون بمعاني البعج والحفر والقطع والشق والتحطيم والتبديد والمفاجأة والشدة، وذلك حذْوًا لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث" [1] ولا شك أن تلك المعاني والإيحاءات جميعها تتفق وما عُرِف من شخصية الحجاج، وما وصفه به سليمان بن عبد الملك الذي ما فارقه الغضب والغيظ في خطاب الحجاج المكتوب، وقد بدا ذلك في استخدامه صوت الباء حرفًا من حروف المعاني جاء فيهما للتعدية مصاحبًا لاسمَيْ فاعل من فعلين لازمين لا يتعديان بنفسيهما [2] ، وذلك قوله: مُسْتَخِفٌّ بِأَوَامِرِ اللهِ عزَّ وجلَّ، مُتَقَرِّبٌ بِسُخْطِهِ، حيث اشْتُقَّ أولهما من السداسي اللازم استخفَّ، وهذا أقرب إلى معنى التعدية، في حين اشْتُقَّ الثاني من الخماسي اللازم تقرَّب، وإن كنا نرى أن الباء مع اسم الفاعل متقرب هنا دالٌّ على الاستعانة باعتبار السُّخط آلة أو وسيلة للتقرب، وهذا المعنى: الاستعانة في الباء"هو أقرب إلى معانيها الفطرية في الحفْر والبقْر، بما يتوافق مع إيحاءات صوتها الانفجاري، فكان الطعن والنشر والحفر والشق يتم بالباء، وليس أداة أخرى" [3] .
واستخدمها حرفًا مصحوبًا بألف المد المنتجة لامتداد الصوت با في موضعين: مُبَاعِدٌ، صباحُكَ، وإذا نُطِقَ بصوت الباء ممدودًا مصحوبًا بألف المد، فإن يصلح"لتمثيل الأشياء والأحداث التي تنطوي معانيها على الاتساع والضخامة والارتفاع، بما يُحاكي واقعة انفتاح الفم على مداه عند خروج صوته من بين الشفتين" [4] ولا شك أن معاني الاتساع والضخامة والارتفاع مما يتناسب وما أُثِر عن الحجاج من صفات قصدها سليمان في رسالته.
وعندما نقف صوتيًّا مع الأصوات المهموسة، نجد أن رسالة سليمان قد تضمنت أيضًا تفوقًا على رسالة الحجاج، باستثناء صوت الكاف الذي جاء تردده واحدًا عندهما وهو إحدى عشرة مرة، وقد تساويا في نوع استخدامه حيث جاء صوتًا أساسيًّا من بنية الكلمة في ثلاثة مواضع، وجاء ضمير
(1) - حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها ص 101.
(2) - المالقي: رصف المباني في شرح حروف المعاني ـ سابق ـ ص 221.
(3) - حسن عباس: حروف المعاني بين الأصالة والحداثة - منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 2000 م - ص 57.
(4) - حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها ـ سابق ـ ص 101.