الصفحة 17 من 36

أما الميم في أوائل الكلمات من رسالة سليمان، فقد جاءت زائدة للدلالة على اسم الفاعل من غير الثلاثي، أو اسم المفعول من الثلاثي، وذلك في خمسة مواضع: مهتوكٌ- مُسْتَخِفٌّ - مُبَاعِدٌ - مُتَقَرِّبٌ - مُتَّبِعٌ، وكلها جاءت في سياق السخر والاستهزاء والهجو والذمِّ، وإن زادت على ذلك كلمة مهتوك من الدلالة على القطع المرتبط بالشدة والحسم وغلبة السوء المرتبط بما اشتهر عن شخصية الحجاج بن يوسف الذي لم يستخدم الميم في أواخر الكلمات إلا في ثلاثة مواضع جاء اثنان منها للدلالة على الجمع في ضمير الخطاب لكم، والمرة الثلاثة مع كلمة السلام التي تدل على ثباته وحكمته في الرد على رسالة سليمان رغم ما يسيطر عليه من الغضب والحنق، كما أنه لم يستخدم الميم في أوائل الكلمات في غير المواضع الثلاثة السابقة، وإنما استخدمها في ثناياها.

وأما صوت النون، فقد استخدمه سليمان ضعفَي ما استخدمه الحجاج، وقد تنوَّع استخدامه عندهما بين الشدة ـ مشددًا ـ والخفة ـ غير مشدد ـ والخنخنة ـ خارجًا من الأنف في حالة الغنَّة ـ وهو صوت مجهور متوسط الشدة، ومن إيحاءاته التعبير عن البطون في الأشياء أو التعبير عن الصميمية، وهي إيحاءات صوتية مستمدة منه باعتباره"صوتًا هيجانيًّا ينبعث من الصميم للتعبير عفو الفطرة عن الألم العميق" [1] وهي الدلالة التي ربما ندركها من استشعار سليمان للألم تجاه موقف الحجاج منه وإهماله الرد على رسائله، أو من سلوك الحجاج وشدته وبطشه بمعارضيه ومعارضي الدولة دون هوادة منه أو رحمة.

وقد ورد صوت النون في الرسالتين على الصور الثلاثة السابقة مع اختلاف في مرات التردد؛ إذ استخدمه سليمان مشدَّدًا مرتين ومثلهما عند الحجاج، واستخدمه سليمان مخنخنًا في ستة مواضع ومن إيحاءاته في هذه الحالة النطقية الدلالة على النتانة والخِسَّة [2] وهي إيحاءات ربما رآها سليمان في الحجاج، فأكثر في استخدام هذا الصوت مخنخنًا، في حين لم يستخدمه الحجاج كذلك، وجاء مخفَّفًا في غير ذلك من مواضع وروده عندهما، مما يعني تساويهما في نطق الحرف مخفَّفًا غير مخنخن، ونستطيع استشفاف عدم وروده مخنخنًا عند الحجاج؛ ربما لأنه يخاطب الأمير، أو لتعاليه عن أنْ يسلك مسلك الأمير في التعبير عن غيظه وغضبه.

كما تفوق سليمان في استخدام صوت الألف على الحجاج، وإن ضاق الفرق بينهما عما كان عليه في الأصوات السابقة وكلها أصوات مجهورة متميزة بقوة الوضوح السمعي، وهي الخاصية الصوتية نفسها التي يتميز بها صوت الألف، بل إنه يمثل مع صوتي الواو والياء الممدودين قمة الوضوح السمعي؛ إذ"تملك قوة إسماعٍ عالية جدًّا تفوق قوة إسماع الصوامت" [3] إلى جانب مدة زمنية طويلة في نطقها، وهذه المدة الزمنية الطويلة تخص صوت الألف الممدود عند استخدامه في سياقات

(1) - حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها ص 160.

(2) - حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها ـ سابق ـ ص 161.

(3) - د/ غالب المطلبي: في الأصوات اللغوية - دراسة في أصوات المد العربية - دار الشئون الثقافية والنشر - بغداد 1984 م - ص 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت