أما الحَجَّاج، فقد استخدم اللام حرفًا من حروف المعاني في غير ما سبق؛ إذ استخدمها في معنى الابتداء والقسم عندما تدخل"على ضربٍ من المقسَم به فيرتفع كقولك: لعمرك لأفعلن، هو مرفوع بالابتداء والخبر مضمر والتقدير: لعمرك ما أُقسم به" [1] وهذه اللام للتوكيد والتحقيق، ومن ثمة تدخل على جواب القسم، وإذا كان الجواب فعلًا ماضيًا جاءت معها قد [2] قال الحجاج في رده على سليمان: وَلَعَمْرِي لَقَدْ عَذَرْتُكَ، كما استخدم اللام في معنى التعليل مرتين في قوله: عَذَرْتُكَ فِي سُوءِ أَدَبِكَ لِفَسَادِ عَقْلِك، وَحَمَلْتُكَ لأَنَّا كُلُّنَا خَوَلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، واستخدامه إياها في سياق التعليل كوسيلة من وسائل الإقناع والمُحاجَّة دليلٌ على ثبات النفس، وتملُّكٍ لناصيتها رغم ما يسيطر على نبرة خطابه من لهجة غاضبة، وهو ما لا نجده عند سليمان بن عبد الملك.
وإذا كان الحَجَّاج قد تفوق على سليمان في استخدام صوت اللام بمرة واحدة، فإننا نجد الأمر مختلفًا مع صوت الميم المجهور الذي يتفق مع اللام في شدة الوضوح السمعي؛ إذ استخدمه سليمان بفارق كبير نسبيًّا عن الحجاج وهو ثماني مرات، والملاحظ أن هذا الصوت يحدث بانطباق الشفتين على بعضهما انطباقًا يسد مجرى الهواء المنطلق من الجوف، ثم تنفرج الشفتان فجاءة، وهذا الانطباق"يماثل الأحداث الطبيعية التي يتم فيها السدُّ والانغلاق" [3] ولعل ذلك مما يناسب مضمون رسالة سليمان من حيث الهجمة الشرسة على الحجاج بما وصفه به من صفات تكشف عن انغلاق قلبه وعقله عن الرحمة بمخالفيه، أو الخارجين على دولة الخلافة.
ولعل تلك الدلالات تتفق مع مجيء الميم في أواخر الكلمات كما قال العقاد، فهي"تدل دلالة لا شك فيها عند الاستماع إلى كلمات كالحتم والحسم والجزم والحطم والختم والكتم والعزم والقضم والقطم والكظم وأمثالها كلمات لا تخلو من الدلالة على التوكيد والتشديد والقطع الذي يدل على المعاني الحسية، كما يستعار أحيانًا لمعاني القطع بالرأي والإصرار على العزيمة" [4] وإذا كان ذلك يتفق وما جاء من بعض الكلمات المختومة بالميم في رسالة سليمان من مثل الحِلْم الذي يكتسب أمثال تلك الدلالات من فعله في قوله: جرَّأك الحِلْمُ، ومثل دالة القسم: أيْمُ بدلالتها على الإصرار والعزيمة أو بدلالتها على الثعبان و الحية [5] وما تستدعيه من دلالات الهلاك والشر التي ارتبطت بها في الموروث العربي، إلا أنها لا تتفق مع وصف المعلم المنتهي بالميم، إلا إذا استدعى الوصف الغلظة والشدة في ممارسة مهنة المعلِّم.
(1) - الهروي: كتاب اللامات - تحقيق وتعليق يحيى علوان البلداوي - ط 1/ 1980 م - مكتبة الفلاح - الكويت - ص 79 - 80.
(2) - الرماني: معاني الحروف مذيلًا بالإعجاز اللغوي لحروف القرآن المجيد - تحقيق وتعليق الشيخ عرفان بن سليم العشا حسونة - ط 1/ 2005 م - المكتبة العصرية - بيروت - ص 33.
(3) - حسن عباس: خصائص الحروف العربية ومعانيها ـ سابق ـ ص 78.
(4) - العقاد: أشتات مجتمعات في اللغة والأدب ط 6/ 1988 م- دار المعارف - القاهرة - ص 46.
(5) - ورد في لسان العرب لابن منظور أن الأَيْمُ والأيْن هو الثعبان الذكران من الحيات 12/ 40 - مادة أيم.