فلينظر لحال النَّاس، فلا يمازِح السَّفيهَ والأحمق، ولا مَن لا يُعْرَف حالُه، ولا العالِمَ الجليل، ولا الشيخَ الوَقور؛ فيعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ويُنزِله منزله اللائق به.
-يقول أبو الليث السمرقندي رحمه الله:"ولا تُكثِر المزاحَ؛ فإنَّ فيه ذهاب المهابة، ويذمك عِند الصُّلحاء، ويُجرِّئ عليك السُّفهاء، وتُنْسَب إلى الخفَّة، ولا تمازِح مَن لم يكن بينك وبينه مخالَطة، ولم تعلم أخلاقه، ولا بأس بأن تمازح مع أقرانك وجلسائك في غير مَأْثمٍ ولا إفراط؛ فإن خير الأمور أوسطها؛ لأنَّ ذلك أولى ألاَّ تنسب إلى الثِّقل، ولا إلى الخفَّة"؛ (بستان العارفين: ص 419) .
-أما عن وقت المزاح، فليتخيَّر الوقتَ المناسب، فلا يمزح في وقت الجدِّ، ولله در القائل:
أهازِل حيثُ الهَزْلُ يحسُن بالفتى = وإنِّي إذا جدَّ الرِّجالُ لذو جدِّ
10)التَّفَكُّر في أحوال الآخرة:
مَن تفكَّر في حاله عند نزول الموت به ومعاناةِ السَّكرات، وسؤال الملَكَين له في القبر، وقبره هل هو روضةٌ من رياض الجَنَّة، أم حفرة من حفر النِّيران، وحاله عند النَّشر والبعث، وحاله عند الوقوف في أرضِ المحشر، وتطايُر الصُّحف، والوقوف بين كفتَي الميزان، وعرضه على الديَّان سبحانه، والمرور على الصِّراط، وحال أهل الجَنَّة، وحال أهل النَّار؛ لا شكَّ أنَّ هذا كله سيُغيِّر مِن حاله؛ فكثرة الضَّحك تدلُّ على الغَفلة عن الآخرة، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول كما عند البخاري ومسلم: (( لو تَعلمون ما أعلمُ، لبكيتم كثيرًا، ولضحكتُم قليلًا ) ).
-وقد أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُصلاَّه، فرأى ناسًا كأنهم يكتشرون [1] ، فقال: (( أما إنَّكم لو أكثرتم ذِكر هاذم اللَّذَّات، لشغلَكم عمَّا أرى ) ).
-وأخرج ابن حبان في"صحيحه"من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه أنه قال: قلت: يا رسولَ الله، فما كانت صحفُ موسى عليه السلام؟ قال: (( كانت عِبَرًا كلها، عجبتُ لمَن أَيقن بالموت ثمَّ هو يَفرَح، عجبتُ لمَن أيقن بالنَّار ثمَّ هو يضحك، عجبتُ لمَن أيقن بالقَدَر ثمَّ هو ينصَب، عجبتُ لمَن رأى الدُّنيا وتقلبها بأهلها ثمَّ اطمأنَّ إليها، وعجبتُ لمَن أيقن بالحساب غدًا ثمَّ لم يعمل! ) ).
(1) يكتشرون؛ أي: يضحكون حتى بدَت نواجذهم.