-وقد روي عن الحسن رحمه الله: أنَّه كلما مرَّ على شابٍّ وجده يضحك، فقال له الحسن: هل جُزت الصِّراطَ؟ قال الشابُّ: لا، قال الحسن: هل جاءك كتابٌ من الله فيه براءة من النَّار؟ قال الشابُّ: لا، قال الحسن: فعلامَ الضَّحِك؟! فما رُئي هذا الشابُّ ضاحكًا قط.
ورَأى أحدُ الصَّالحين رجلًا مُستغرقًا في الضَّحك فقال له:"هل أتاك أنَّك ترِد جهنَّم؟ قال: نعم، قال تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71] ، فقال له: وهل أتاك أنَّك تنجو منها؟ قال: لا، قال: ففيمَ الضَّحِك؟! فما رُئِي ضاحكًا"؛ (الإحياء: 3/ 172) .
-وها هو صِلة بن أَشْيَمَ:"كلما مرَّ على شبابٍ وجدهم يلعبون ويضحكون، فقال: يا إخوتاه، اجتمعوا إليَّ، فقال لهم: ما تقولون في قومٍ أرادوا سفرًا (يقصد الموت والرحيل عن الدنيا) فحادُوا عنه نهارًا وناموا عنه ليلًا، ماذا تقولون؟ أصابوا أم أخطؤوا؟ ثمَّ مرَّ عليهم في اليوم التالي، فوجدهم يلعبون ويضحكون، فقال لهم مثل ما قال، ثمَّ مرَّ عليهم في اليوم الذي بعده، فوجدهم يلعبون ويضحكون، فقال لهم مثل ما قال، فقال شابٌّ منهم: والله إنَّ صِلةَ يعنينا بهذا الخطاب، فرجعوا عن اللَّعب إلى طاعة الله".
فلأي شيءٍ خُلقنا؟ هل خُلقنا للَّعب؟ يأتيك الجواب: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] .
وقد جاء في الحديث: (( وما رأيتُ مثلَ النَّار نام هارِبُها، ولا مثلَ الجَنَّة نام طالِبها ) ) [1] .
فكَثْرة الضَّحك كما أنَّها تميت القلبَ، فإنَّها كذلك تورِث الغفلةَ عن الآخرة ونسيان الموت؛ لذا كان السَّلَف الصالح يُحذِّرون من كَثرة الضَّحك والغفلة عن الآخرة كما مرَّ بنا.
-يقول محمد بن واسع:"إذا رأيتَ رجلًا في الجَنَّة يبكي، ألستَ تعجب من بكائه؟! قيل: بلى، قال: فالذي يَضحك في الدُّنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجب منه".
-ومرَّ أبو يعلى على رجلٍ يُكثر مِن الضَّحك، فقال له:"أتضحك ولعلَّ أكفانك قد خرجَت من عند القصَّار؟!".
فجدير بمَن كان الموت مصرعَه، والترابُ مضجعه، والدودُ أنيسَه، ومنكر ونكير جليسَه، والقبر مقرَّه، وباطن الأرض مُسْتَقرَّه، وأرض المحشر مَوْقفه، ويوم القيامة موعده، والجَنَّة والنَّار مورده - ألاَّ يكون له فِكر إلاَّ في ذلك والاستعداد له.
(1) هذا الحديث أخرجه الترمذي، وأبو نعيم في"الحلية"، والبغوي في"شرح السُّنة"بسند ضعيف، لكن حسَّن هذا الحديثَ الشيخُ الألباني، فقال رحمه الله:"والحديث له شاهدان هو بهما حسن"؛ (الصحيحة: 953) .