تنبيه:
ليس المقصود من عَرْض ما سبق هو النَّهْي عن الضَّحك والمزاح بالكليَّة، وقد مرَّ بنا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يمزح، ولكنَّ المقصَدَ هو عدم الإِفراط فيه والمداومة عليه؛ فإنَّ هذا يقسِّي القلب، وقد مرَّ بنا في الحديث الذي أخرجه ابنُ ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (( لا تُكثروا الضَّحك؛ فإنَّ كثرةَ الضَّحك تميت القلبَ ) )؛ (الصحيحة: 506) .
فإذا ابْتُلي الإنسانُ بكثرة الضَّحك وقسوة القَلب، فلا علاج له إلا بذكر الموت.
-يقول القرطبي رحمه الله في كتابه"التذكرة":"تذكُّر الموت يَرْدع عن المعاصي، ويليِّن القلبَ القاسِي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهوِّن المصائب"، ثمَّ ذكر القرطبيُّ رحمه الله أثرًا عن صفيَّة رضي الله عنها أنَّها قالت:"جاءت امرأةٌ إلى عائشة رضي الله عنها تشتكي قسوةَ قلبها، فقالت لها: أكثِري ذِكر الموت؛ يرق قلبُكِ، ففعلَت ذلك؛ فرقَّ قَلْبها"؛ (التذكرة: ص 12) .
-وجاء رجلٌ إلى أمِّ الدرداء رضي الله عنها يستنصحها فقال: إني لأجِد في قلبي داءً لا أجد له دواءً؛ أجِد قسوةً شديدةً وأملًا بعيدًا، فقالت له:"اطَّلِع في القبور، واشهد الموتى".
-ويقول مطرِّف الهذلي رحمه الله:"كانت عجوز متعبِّدة في عبدالقيس، فعوتبَت في كثرة إِتْيانها القبور، فقالت: إنَّ القلب القاسي إذا جَفَا لم يليِّنه إلاَّ رسوم البِلَى، وإنِّي لآتي القبورَ وكأنِّي أنظر إليهم قد خرجوا من بين أَطْباقها، وكأنِّي أنظر إلى تلك الوجوه المتعفِّرة، وإلى تلك الأجساد البالِية المُتغَيِّرة، وإلى تلك الأكفان الدَّنسة، فيا له من منظر!".
أحبتي في الله، إنَّ ذكر الموت يُوقظ القلوبَ من نِسيانها، ويزجر النفوسَ عن التَّمادي في شهواتها، ويأخذ النَّواصي لطاعة ربِّها.
11)التفكُّر فيما يؤول إليه المزاح:
فكثرة المزاح كما أنَّها مَسْلبة للبهاء والوَقار، فإنَّها كذلك مقطعة للصَّداقة، وتورِث الضَّغينة، وتنبت الغِلَّ، يقول أبو نواس رحمه الله:
مُت بداء الصمت خيرٌ = لك من داء الكلامِ
إنما السَّالمُ مَن ألـ = ـجمَ فَاهُ بِلجَامِ