فهرس الكتاب
هنا في هذه الآية استمرار لكلام الكافرين في الآية السابقة مستفتح بقولهم: أفترى على الله كذبًا؟! فالهمزة هنا للإستفهام أغنت عن همزة الوصل في الفعل (إفترى) فحُذِفت [1] ، فالسياق مشحون بحالة التعجُّب لأنه بتصوُّرِهم لا يقول ذلك إلاَّ من كان مفتريًا يعقل ما يقول غير أنَّه لا صحَّة لما يدَّعي فهو الإفتراءُ إذن، أو أنَّه لا يعقل ما يقول فهو الجنون لا غير، فبرَّأ اللهُ نبيَّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من هذه التهم فقال: (( بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ) ) [2] ، يقول سيد قطب:"ويمضون في العجب والتعجيب، والاستنكار والتشهير: «أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ؟» .. فما يقول مثل هذا الكلام- بزعمهم- إلا كاذب يفتري على الله ما لم يقله، أو مسته الجن فهو يهذي أو ينطق بالعجيب الغريب" [3] .
-التنكير: تمثَّل في الآيات التالية:
• (( قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ ) ) [4]
نحن الآن في مشهد من مشاهد يوم القيامة، الجو مشحون بالخوف والترقب، والظالمون موقوفون بين يدي الله يريد كُلٌ منهم أن ينسلخ من كلِّ ما يُثقلُ كاهلَه بل حتى من جلدِه لو كان يستطيعُ ذلك، فلمَّا تساقطت الأقنعة المزيفة وبدت الوجوه الكالحة على حقيقتها، تساقطت معها الهيبة التي كانت تعيق مثل هذا الحوار بين المُستضعفين والمستكبرين في الدنيا، فلما فاجأ المستضعفون سادَتَهم بِإلقاء تبعةِ انحرافهم عن متابعة الحقِّ إليهم، جُنَّ جنونُهم وطار صوابُهم، فجاء الإستفهام سريعًا: أ نحن صددناكم عن الهدى بعدَ إذ جاءكم؟! ثمَّ تحويل اللائمة إليهم: بل كنتم مجرمين، حتَّى أنَّنا لا نرى كلمة (قومًا) الموصوف التي عادةً ما تكون متقدِّمةً على الوصف (مجرمين) في سياقاتٍ أخرى من القرآن، وهذا يعكس الحالة النفسية لدى هؤلاء في التبرؤِ من هذه التهم على وجه السرعة
(1) الجامع:14/ 263.
(2) سورة سبأ ~ 8.
(3) في ظلال القرآن:5/ 2895.
(4) سورة سبأ ~ 32.