فهرس الكتاب
والمباغتة، فالموقف جعلهم يذهلون عن كونهم هم المجرمين في إغواء هؤلاء المستضعفين، وكأنهم نسوا ذلك وحاولوا التنكُّرَ له، وهذا نلمحُه من صيغة الإستفهام المستعملة في ثنايا النص والمتفاعلة مع الموقف الرهيب في ذلك المقام، ولآن نستعرض تعليقات بعض المفسرين على هذه الآية:
يقول الزمخشري:"أولى الاسم أعنى نَحْنُ حرف الإنكار، لأنّ الغرض إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عنه، وأنهم أتوا من قبل اختيارهم" [1] ، وذهب ابن عطية إلى أن السياق يحتمل التقرير، حيث يقول:"فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ" [2] ، وعلَّق ابن عاشور بقوله:"وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْإِنْكَارِ على قَول الْمُسْتَضْعَفِينَ تبرّؤا مِنْهُ. وَهَذَا الْإِنْكَارُ بُهْتَانٌ وَإِنْكَارٌ لِلْوَاقِعِ بَعَثَهُ فِيهِمْ خَوْفُ إِلْقَاءِ التَّبِعَةِ عَلَيْهِمْ وَفَرْطُ الْغَضَبِ وَالْحَسْرَةِ مِنِ انْتِقَاضِ أَتْبَاعِهِمْ عَلَيْهِمْ وَزَوَالِ حُرْمَتِهِمْ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَتَمَالَكُوا أَنْ لَا يُكَذِّبُوهُمْ وَيَذِيلُوا بِتَوْرِيطِهِمْ. وَأَتَى بِالْمُسْنَدِ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ فِي سِيَاقِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ الَّذِي هُوَ فِي قُوَّةِ النَّفْيِ لِيُفِيدَ تَخْصِيصَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ بِالْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ عَلَى طَرِيقَةِ: مَا أَنَا قُلْتُ هَذَا" [3] وإلى مثل هذا الرأي ذهب كثير من المفسرين [4] .
• (( وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) ) [5] .
راجعت مجموعة من التفاسير بخصوص الإستفهام المستخدم في هذه الاية، فلم أر أحدًا منهم يشيرُ إلى معناه سوى ابنِ عاشور الذي ذكر انَّ الإستفهام هنا مستعملٌ في الإنكار [6] ، والذي يبدو لنا ـ والله أعلم ـ أنَّ الإستفهام هنا مستعملٌ في الإستبعاد على ما
(1) الكشاف:3/ 584.
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن تمام بن عطية الأندلسي المحاربي (المتوفى: 542 هـ) ,:4/ 421 , تح. عبد السلام عبد الشافي محمد , ط 1 , دار الكتب العلمية - بيروت, 1422 هـ.
(3) التحرير والتنوير:22/ 206.
(4) يُنظر الجامع:14/ 302 , إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم:7/ 134 , أبو السعود العمادي محمد بن محمد بن مصطفى (المتوفى: 982 هـ) , د ط , دار إحياء التراث العربي - بيروت , د ت.
(5) سورة سبأ ~ 52.
(6) يُنظر التحرير والتنوير:22/ 243.