الصفحة 57 من 61

(( وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ(31) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )) [1]

تحدَّث المفسِّرون عن هذه الآيات، وسبب وصل القولين الأولين، وفصل القول الأخير باستخدام حرف العطف الواو (وقال) ، حيث أنَّ العطف هنا حقَّق لنا معنًى مغايرًا عن معنى الكلام لو جاء بغير عطف، حقيقةً لا يمكن إدراك هذا الفارق بمُجرَّد قراءةٍ أولية للآيات، حتَّى تُعاد أكثر من مرَّة، ويُكدُّ فيها الذهن، وربما ينقضي الوقت ولا يُدركُ الفرق، يقول الزمخشري:"وقيل وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا؟ قلت: لأن الذين استضعفوا مرّ أولا كلامهم، فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريقة الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطف على كلامهم الأوّل" [2] ، نُلاحظ أنَّ الزمخشري اعتبر المحاورة الأولى بين المستضعفين والمستكبرين كالكلام الواحد؛ كلامٌ وردٌّ عليه، فلمَّا عاد الكلام إلى المستضعفين كأنها بدأت جولة جديدة؛ ومن هنا كان العطف بالواو على الجولة الأولى.

وأورد الآلوسي رأيين في هذه المسألة:"ولما كان هذا القول رجوعا منهم إلى الكلام دون قول المستكبرين (أنحن صددناكم) فإنه ابتداء كلام وقع جوابا للاعتراض عليهم جيء بالعاطف هاهنا ولم يجيء به هناك على ما اختاره بعضهم، وقيل: إن النكتة في ذلك أنه لما حكي قول المستضعفين بعد قوله تعالى (يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ) كان مظنة إن يقال: فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا وهل كان بين الفريقين تراجع؟ فقيل: قال الذين استكبروا كذا، وقال الذين استضعفوا كذا فأخرج مجموع القولين مخرج الجواب وعطف بعض الجواب على بعض فتدبر" [3] .

(1) سورة سبأ ~ 31 ـ 33.

(2) الكشاف: 3/ 585.

(3) روح المعاني: 11/ 320.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت