الصفحة 58 من 61

وقد أشار ابن عاشور إلى لطيفةٍ عجيبة، ونكتةٍ ظريفة، تكشف عن دقَّةِ نظره، وسعةِ علمه، حيث قال:"لَمْ تَجْرِ حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى طَرِيقَةِ حِكَايَةِ الْمُقَاوَلَاتِ الَّتِي تُحْكَى بِدُونِ عَطْفٍ عَلَى حُسْنِ الِاسْتِعْمَالِ فِي حِكَايَةِ الْمُقَاوَلَاتِ كَمَا اسْتَقْرَيْنَاهُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْكِتَابِ الْمَجِيدِ وَقَدَّمْنَاهُ فِي قَوْلِهِ: (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [1] الْآيَةَ، فَجِيءَ بِحَرْفِ الْعَطْفِ فِي حِكَايَةِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَعَ أَنَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ جَاوَبُوا بِهَا قَوْلَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ الْآيَةَ لِنُكْتَةٍ دَقِيقَةٍ، وَهِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَقَالَةَ الْمُسْتَضْعَفِينَ هَذِهِ هِيَ فِي الْمَعْنَى تَكْمِلَةٌ لِمَقَالَتِهِمْ المحكية بقوله: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ تَنْبِيها على أَن مقالتهم تَلَقَّفَهَا الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فَابْتَدَرُوهَا بِالْجَوَابِ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ هُنَالِكَ بِحَيْثُ لَوِ انْتَظَرُوا تَمام كَلَامهم وأبلعوهم رِيقَهُمْ لَحَصَلَ مَا فِيهِ إِبْطَالُ كَلَامِهِمْ وَلَكِنَّهُمْ قَاطَعُوا كَلَامَهُمْ مِنْ فَرْطِ الْجَزَعِ أَنْ يُؤَاخَذُوا بِمَا يَقُولُهُ الْمُسْتَضْعَفُونَ."

وَحُكِيَ قَوْلُهُمْ هَذَا بِفعل الْمَاضِي لِمُزَاوَجَةِ كَلَامِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِأَنَّ قَوْلَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا هَذَا بَعْدَ أَنْ كَانَ تَكْمِلَةً لِقَوْلِهِمُ الَّذِي قَاطَعَهُ الْمُسْتَكْبِرُونَ، انْقَلَبَ جَوَابًا عَنْ تَبَرُّؤِ الْمُسْتَكْبِرِينَ مِنْ أَنْ يَكُونُوا صَدُّوا الْمُسْتَضْعَفِينَ عَنِ الْهُدَى، فَصَارَ لِقَوْلِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مَوْقِعَانِ يَقْتَضِي أَحَدُ الْمَوْقِعَيْنِ عَطْفَهُ بِالْوَاوِ، وَيَقْتَضِي الْمَوْقِعُ الْآخَرُ قَرْنَهُ بِحَرْفِ بَلْ وَبِزِيَادَةِ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ. وَأَصْلُ الْكَلَامِ: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ إِذْ تَأْمُرُونَنَا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ الَخْ. فَلَمَّا قَاطَعَهُ الْمُسْتَكْبِرُونَ بِكَلَامِهِمْ أُقْحِمَ فِي كَلَامِ الْمُسْتَضْعَفِينَ حَرْفُ بَلْ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الْمُسْتَكْبِرِينَ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ. وَبِذَلِكَ أَفَادَ تَكْمِلَةَ الْكَلَامِ السَّابِقِ وَالْجَوَابَ عَنْ تَبَرُّؤِ الْمُسْتَكْبِرِينَ، وَلَوْ لَمْ يَعْطِفْ بِالْوَاوِ لَمَا أَفَادَ إِلَّا أَنَّهُ جَوَابٌ عَنْ كَلَامِ الْمُسْتَكْبِرِينَ فَقَطْ، وَهَذَا مِنْ أَبْدَعِ الْإِيجَازِ." [2] ."

(1) سورة البقرة ~ 30.

(2) التحرير والتنوير: 22/ 207 ـ 208.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت