بسبب ذلك تأخر المعتمد بن عباد عن اداء الاتاوة عن وقتها فاستشاط الطاغية غضبًا وتشطط فطلب بعض الحصون زيادة على الضريبة وامعن في التجني فسأل في دخول امرأته الى جامع قرطبة لتلد فيه من حمل كان بها حين اشار عليه بذلك القسيسون والاساقفة، وسأل ان تنزل امرأته بالمدينة الزهراء غربي مدينة قرطبة وزعم ان الاطباء اشاروا عليه بالولادة في الزهراء كما اشار القسيسون عليه بالجامع، وارسل في تلك المهمة رسولًا يهوديًا لابن فرذلند (الاذفونش) ، فلما حضر هذا الرسول بين يدي المعتمد بن عباد وتكلم ببعض ما جاء به من صاحبه فأيأسه ابن عباد من جميع مطالبه فاغلظ اليهودي له القول وشافهه بما لم يحتمله فأخذ ابن عباد محبرة كانت بين يديه فانزلها على رأس اليهودي فألقى دماغه في حلقه وأمر به فصلب منكوسًا بقرطبة، وبلغ الاذفونش ما صنع ابن عباد فأقسم بالهته ليغزونه باشبيلية ويحصره في قصره، فجهز الاذفونش جيشًا قاده بنفسه وعسكر بضفة النهر قبالة قصر ابن عباد وكتب اليه زاريًا عليه: كثُر بطول مقامي في مجلسي الذباب واشتد علي الحر فاتحفني من قصرك بمروحة اروح بها عن نفسي واطرد بها الذباب عني، فلما وصلت هذه الرسالة الى المعتمد بن عباد كتب على ظهر الرقعة: قرأت كتابك وفهمت خيلاءك واعجابك وسأنظر لك في مراوح من الجلود اللمطية [1] في ايدي الجيوش المرابطية تريح منك لا تروح عنك ان شاء الله، فلما ترجمت هذه الرسالة الى للاذفونش اطرق اطراق من لم يخطر له ذلك وفشا في بلاد الاندلس خبر توقيع المعتمد بن عباد وما اظهر من العزيمة على اجازة الصحراويين والاستظهار بهم على النصارى وملكهم الاذفونش فاستبشر الناس وفتحت لهم ابواب الامال [2] .
تعاظم امر النصارى في الاندلس في هذه الفترة وتصاغر امر المسلمين وبلغوا من الذل مبلغًا انه مجرد ان يتأخر المعتمد بن عباد عن دفع الجزية في موعدها المحدد حتى يرفضها ملك النصارى ويطلب
(1) ... راجع الدرق اللمطية ص/ ... من بحثنا.
(2) الروض المعطار، ص/278، الناصري السلاوي، الاستقصا، 2/ 34 - 35؛ المقري، نفح الطيب، 4/ 358 - 359.