الصفحة 16 من 70

ويقول الدكتور فيليب حتى «لو قام في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي أحد وتكهن بأن دولة خامدة الذكر وضيعة الجانب، تخرج من مجاهل جزيرة العرب، ثم تنقض على الدولتين العظيمين المعروفتين، فتقوض الدولة الواحدة - دولة آل ساسان - وتظفر بأملاكها، ثم تقطع من ولايات الثانية - بيزنطة - أزهى مقاطعاتها، تقول لو صدرت مثل هذه النبوءة من فم إنسان ذلك العصر لحكم عليه بالجنون.

والواقع أن هذا ما حدث فعلًا، فبعد الرسول تغيرت طبيعة بلاد العرب الجدباء، وأخذت تنشئ أبطالًا ينذر وجود من يشاركهم في أي صقع كان، فكأن أعجوبة حلت فيها ...

إن عظمة الجيش العربي لم تقم على قوة السلاح أو جودة التنظيم، بل كان ثمرة القوة المعنوية الروحية التي كان الإيمان والدين عززاها في نفسه ...

لقد جاء الإسلام مهيبًا بالشرق إلى النهوض من كبوته، بعد ألف سنة اجتاحته فيها سطوة الغريب .. ولقد انفتح أمام الأمم المغلوبة باب الحرية، فصاروا يمارسون عقائد أديانهم دون إزعاج [1] .

ويقول جوزيف رينو في كتابه «الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا» كوسيلة من وسائل نقل الحضارة:

«عندما استقر المسلمون في القرن التاسع الميلادي في بروفانس وفي دوفيني وسافواي، وفي سويسرا، كانوا قد قطعوا أشواطًا في العلوم والفنون، ويتقدمون بطريقة عجيبة، ومما لا جدال فيه أن مسلمي الأندلس وصقلية، ومسلمي أفريقيا الشمالية، كانوا أكثر تقدمًا من سكان فرنسا والبلدان المجاورة، حيث كانت هذه البلدان كلها تعاني من الفوضى ومن كل أنواع البؤس التي تلازمها.

فمن ذا الذي لم يسمع بعظمة مسجد قرطبة، ومن ذا الذي يجهل ما شيده المسلمون من الجسور، وما شقوه من الأنهار والقنوات لري الأرض. وما شيدوه من الآثار العظيمة في الأندلس ابتداء من النصف الثاني للقرن الثامن الهجري؟!

وعظمة المسلمين وتفوقهم لا تتجلى في الفنون وحدها، حيث أن عبقريتهم قد برزت في العلوم

(1) ... تاريخ العرب: تأليف الدكتور فيليب حتى وآخرين - جامعة برنستون - ص 193، 231.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت