الصفحة 17 من 70

أيضًا - العلوم التي لا يمكن أن تقوم دعائم حضرة بدونها. فقد كان العرب يملكون ذخائر علوم الأولين وكنوزهم، وكانوا قد ترجموا إلى العربية كتب أرسطو وأبقراط وجالينوس ودسقوريدس وبطليموس وغيرهم، وأضافوا مساهمات ثمينة إلى ما اكتشفه الأولون.

وهكذا، فقد كان تفوق العرب حقيقة لا مراء فيها، ويعترف بها المسيحيون أنفسهم.

وقد حفظ لنا التاريخ قصة شانجة (( Sanche ملك ليون الذي طلب إذنًا من عبدالرحمن الثالث، عندما أصيب بمرض عضال في سنة 960 م، ليقصد قرطبة ملتمسًا الاستشفاء على يد الأطباء المسلمين. ويضيف المؤرخون أن شانجة قد وجد عند هؤلاء العناية، وفي علمهم المساعدة التي كان ينشدها. وقد ظل طوال حياته يذكر الحفاوة التي قوبل بها والاهتمام الذي أحبط به.

وفي غضون تلك الفترة نفسها، كان قسيس اسمه جيربر (Gerbert) قدر له أن يصبح البابا سيلفستر الثاني (Sylvester) قد قصد إلى الأندلس ليطلب العلوم الطبيعية والرياضية، وقد حصل من تلك العلوم وغيرها حظًا عظيمًا، بحيث اعتبرته عامة الناس في فرنسا ساحرًا.

على أن عددًا صغيرًا من الفرنسيين استطاع الاغتراف من معين الثقافة والعلوم العربية في الأندلس، في الوقت الذي ظلت فيه الجماهير غارقة في ظلمات الجهالة في فرنسا ..

إن نشر النفوذ الحضاري العربي الحقيقي في فرنسا والبلاد المجاورة لها، فقد بدأ بعد ذلك، أي ابتداء من القرن الثاني عشر الميلادي، ولاسيما في أعقاب الحروب الصليبية، وبعد الاحتكاك الذي وقع بين الإسلام والمسيحية، والشعوب الشرقية والشعوب الغربية التي من بينها الشعوب الفرنسية والانجليزية والألمانية - تلك الشعوب التي بدأت تخرج من سباتها العميق، وشرعت في إبداء رغبتها في الاستفادة مما حققته الحضارة العربية من التقدم.

كانت العلوم اليونانية في ذلك الوقت قد انمحت من أوروبا، ولكنها كانت مترجمة ومحفوظة عند العرب. وكذلك اتجه المسيحيون من فرنسا والبلدان المجاورة لها إلى أسبانيا ليتعلموا تلك العلوم بالعربية، لينقلوها إلى اللغة اللاتينية التي كانت يومئذ لغة العلم في أوروبا. وهذه الكتب المترجمة هي التي ستدرس في الجامعات الأوروبية حتى القرن الخامس عشر.

سوف لا نتوقف لدرس مختلف الأشياء المحفوظة بعناية في فرنسا والتي يرجع تاريخه إلى العهد العربي. وهذه الآثار تتكون، خصوصًا، من أقمشة الحرير، وصناديق العاج أو الفضة، وكؤوس البلَّور وأسلحة ... الخ. وجزء كبير من هذه التحف لا يزال محفوظًا في الكنائس ولدى الهواة لجمع التحف الأثرية ..

لقد ظل الناس في فرنسا والبلدان المجاورة لها، أجيالًا طويلة، وهم لا يفكرون إلا في عظمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت