الفكر الإسلامي، وفي قوة المسلمين واتساع آفاق فتوحاتهم ...
وكذلك كان الرأي العام يعزو إلى العرب كل ما هو عظيم وضخم من المنجزات العمرانية ...
لقد جاء المسلمون إلى فرنسا قبل النورمانديين والهنغاريين، وقد استمر وجودهم فيها، بعد غارات هؤلاء وأولئك والفتوحات الإسلامية كانت تكتسي طابعًا من الجلال والعظمة بحيث لا يمكن أن يقرأ إنسان أخبارها أو يسمع رواياتها دون أن تهتز نفسه لها. فعلى عكس النورمانديين والهنغاريين، كان المسلمون، أجيالًا طويلة في طليعة قافلة الحضارة في العالم» [1] .
لقد ذكر جوزيف رينو ما ذكره الناس في فرنسا عن البابا سلفستر الثاني. الذي درس العلوم الطبيعية والرياضية على يد المسلمين في الأندلس، إذ اعتبروه ساحرًا، وخاصة عندما كان يدهشهم بتجاربه في الكيمياء والفيزياء.
أما لويس يونج، فإنه يعطي تفصيلًا عن الفكر الأوروبي في ذلك الوقت، والذي استمر حتى القرن السابع عشر، لا يملك إلا أن يعزو كل ما كان يجهله إلى الشيطان وألاعيبه. وما جنون ظاهرة تعقب النساء المتشيطنات ببعيد ..
يقول يونج «لقد أغنى الرياضيون العرب العالم بالمعرفة في جميع المجالات، وبخاصة الأفكار والملاحظات الرياضية» .
وأحد أوائل الأوربيين الذين أخذوا بالأرقام العربية كان جربرت، الذي أصبح فيما بعد (في عام 999 م) البابا سيلفستر الثاني (ولد 945 - وتوفي 1003 م) . سافر جربرت هذا بين عامي (967 - 970 م) إلى أسبانيا، حيث درس العلوم، وألف بعد ذلك كتابًا يشرح فيه كيفية استخدام الأرقام العربية.
إلا أن أوروبا لم تلق بالًا إلى هذا النظام الجديد. بل كان ينظر إلى جربرت بعين الشك، لأنه درس على يد العرب في أسبانيا، وعلى المستوى الشعبي كان يشك في أنه يمارس السحر.
ولقد رويت عنه كثير من الروايات الخارقة. فقيل أنه كان يغادر الدير ليلًا. ويطير في الهواء إلى أسبانيا حيث يدرس الفلك والفنون السحرية، ثم يعود إلى حجرته قبل بزوغ الفجر.
كما كان يظن بأنه تعلم إحضار الأرواح من جهنم، وأنه يحتفظ بكتاب سحر حصل عليه بالمكر والخديعة من ساحر عجوز، وأنه رهن روحه للشيطان لكي يحميه من انتقام هذا الساحر
(1) الفتوحات الإسلامية في فرنسا: ص 251 - 256، 264 - 265.