العجوز.
وبعد فترة طويلة من الزمن تبنت أوروبا الأرقام العربية، نتيجة أعمال ليوناردو فيبوناتشي من بيزا، الذي توفي عام 1240 م، وكان فيوناتشي رياضيًا. درس الرياضيات على يد معلم عربي، في شمال أفريقيا، وأصدر كتابًا يشرح فيه نظام الأرقام العربية عام 1202 م، وكان ذلك بداية تبني أوروبا للأرقام العربية، وبداية لعلم الرياضيات الأوروبي [1] .
أما بعد ....
إن هذا الذي يراه الناظر في التاريخ القديم، ليثير العجب والانبهار حقًا، حين يطل خلال تلك الحقبة من الزمن، فيرى أبناء الصحراء وقد خرجوا إلى العالم، شرقًا وغربًا، يعلنون: لا إله إلا الله، ويقيمون حضارة زاهرة تشع أنوارها هنا وهناك، فينهل منها الظامئون إلى العلم والإيمان، ويصد عنها الآخرون:
{اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ} [فاطر: 43] .
وفي هؤلاء الأخيرين، قال مفكر مسيحي هو الدكتور نظمي لوقا قولة حق، وحكمة ترددها الألسنة عبر القرون:
«من يغلق عينيه دون النور، يضير عينيه ولا يضير النور. ومن يغلق عقله وضميره دون الحق، يضير عقله وضميره ولا يضير الحق» .
فالنور منيفة للرائي لا للمصباح، والحق منفعة وإحسان إلى المهتدي به لا إلى الهادي إليه.
وما من آفة تهدر العقول البشرية كما يهدرها التعصب الذميم الذي يفرض على أذهان أصحابه وسراؤهم ما هو أسوأ من العمى لذي البصر، ومن الصمم لذي السمع، لأن الأعمى قد يبقى بعد فقدان البصر إنسانًا، والأصم قد يبقى بعد فقدان السمع إنسانًا ... أما من اختلت موازين عقله أو موازين وجدانه، حتى ما يميز الخبيث من الطيب، فذلك ليس بإنسان، بالمعنى المقصود من كلمة إنسان [2] .
وحين نفتش أسفار الكتاب المقدس، نجد أن هذا الذي طلع به أبناء الصحراء على العالم، إنما كان تحقيقًا لنبوءة هتف بها اشعيا النبي في منتصف القرن الثامن قبل الميلاد - وخاصة في الإصحاح الثاني والأربعين من السفر الذي يحمل اسمه، فقال في النبي العربي وقومه وتابعيه:
(1) ... العرب وأوروبا ص 125.
(2) ... محمد الرسالة والرسول: ص 25.