ويظهر الإسلام من هذا المنظور الأساسي: دين اليقين والتوازن.
إن الحقيقة الصحيحة المنقطعة النظير، وهي وحدانية الله، تتطلب بالضرورة تحقيق وحدة متوازنة للإنسان والمجتمع البشري. والله في الإسلام، على عكس إله الإنجيل، لا يتجسد للبشر. ولا يوجد بينه وبين الإنسان شفيع ولا وسيط ولا كنيسة ولا كهنوت. وهو المرجع الوحيد والمطلق. وهو المبتدأ وإليه المنتهى والمصير المقدر لأولئك المؤمنين به وبنبيه محمدًا. ويكون الفرد جزءًا مكملًا لجماعة المؤمنين التي تشكل أخوة يقوم المعيار الوحيد للقبول بها على الإيمان. ويرسي اليقين والاعتزاز بامتلاك الحقيقة أساسيات التضامن الإسلامي أكثر مما يفعله القانون والهيئات الاجتماعية.
لقد كان هذا الدين حافزًا على تشكيل كيان متميز لم تستطع تقلبات الزمن والاحتكاك بالحضارات المختلفة أن تفت في عضده على مر العصور. إن الشعور المتيقظ بالانتماء إلى كيان متميز، والوعي النشيط بامتلاك الحقيقة قد خلق حضارة خاصة بالمسلمين، فرضت تعريفًا خاصًا للفرد والدولة والعالم. إن كل شيء في الإسلام يعبر عن وحدة. ففروض العبادة تعبر بطريقة ظاهرة، بل بطريقة مادية، عن التماسك والالتحام.
فالمسلمون يسجدون في صلواتهم التي يقيمونها خمس مرات يوميًا في ساعات متماثلة تقريبًا وفي اتجاه واحد نحو مكة، وتعبر النية الدينية المصاحبة للممارسات البدنية المصاحبة لهذه الشعيرة، عن وحدة الإنسان روحيًا وماديًا. وفوق ذلك نجد أن القرآن يذكر إقامة الصلاة مقرونة بإيتاء الزكاة التي هي فرض ديني وحق متبادل من شأنه أن يوحد جماعة المؤمنين.
كما أن صيام رمضان يربط بشكل رمزي كل المؤمنين، إذ يمتنعون عن الطعام والشراب حسب توقيت متماثل. وأخيرًا فإن الحج هو أبرز مظاهر الوحدة بين الجماعة يعتنق أفرادها دينًا واحدًا.
ويسهم الإيمان كما تسهم الشعائر التي تربط الإنسان مباشرة بالله، في تضامن الجماعة الإسلامية وتجانسها، وتدفعها جميعًا نحو تحقيق عالميتها.
إن جماعة المؤمنين، وقد قامت على الدين، فإنها نجحت في الصمود أمام التفكك السياسي، كما أن الروابط الدينية التي تسمو فوق التخوم والحدود بين الدول، لم تتأثر كثيرًا بذلك التفكك السياسي» [1] .